أدب وفنون

لعبة تميم البرغوثي اللغوية في “أمير الشعراء”

مع انتقال برنامج “أمير الشعراء” إلى مراحله النهائية وبدء حلقات البث المباشر، لانتقاء أفضل الشعراء المتسابقين في هذه النسخة، بالاستناد إلى آراء النقاد في لجنة الحكم من جانب، والاستفادة من تصويت جماهير الشعر العربي من جانب آخر؛ تزداد نسبة متابعي هذا البرنامج، ولا سيما الشعراء المتسابقين في هذه النسخة وأهلهم وذويهم وأصدقائهم ومحبيهم، بالإضافة إلى المشتركين السابقين في هذا البرنامج أو الطامحين إلى المشاركة في نسخ مستقبلية آتية، ناهيك عن متابعة المثقفين المهتمين بالحراك الشعري العربي أو البرامج الثقافية في عمومها.

جانب من لعبة تميم البرغوثي اللغوية -بوصفه شاعرًا مشاركًا وصل إلى المرحلة النهائية في النسخة الأولى من هذا البرنامج- تسليط الضوء على ما يقرره نقاد الشعر ومتذوقوه حين يقولون: إن فن الشعر موهبة فطرية في الدرجة الأولى؛ فلا شعر دون موهبة، وإنما نظمٌ ورصْف كلام، والشعر في الدرجة الثانية -حسب رأي الجمهور الأوسع من نقاد الشعر ومتذوقيه- صنعةٌ فنية، تتحسن بالمِران، وتجود بالتجريب، وتجمُل بقراءات الشاعر المتنوعة، ولا سيّما القراءة الناقدة منها، التي يستفيد الشاعر من خلالها من تجارب سابقيه، إضافة إلى استفادته من ثقافته الواسعة وتَمَثلِه الفنون الأخرى واستيعابه الجمالي لها، لإعادة طرحها أو تشكيلها في نصوص جديدة، راح يشتغل عليها من منظوره الجمالي، مستندًا إلى زاوية مختلفة من زوايا الرؤية أو الرؤيا، اختارها لنفسه حين شرع في تشكيل نصه الجديد.

تابعتُ النصوصَ التي قدّمها البرغوثي في برنامج “أمير الشعراء” في نسخته الأولى، وتوقفتُ عند اثنين من أجودها في تلك المشاركة؛ من حيث إشادة لجنة التحكيم بها، وتفاعل الجمهور معها بوصفهما طائفتين من نقاد الشعر ومتذوقيه.

وقبل أن أتحدث عن عامل الصنعة الفنية ودوره المتمم لدور الموهبة في نصي: (قفي ساعة) و(معين الدمع) تجدر الإشارة إلى نظرية غير مثبتة علمية، يعتقد أصحابها بتناقل الشعر بالوراثة، مستشهدين ببعض العوائل الأدبية؛ كانتقال المورث الشعري من الأصل إلى الفروع، من مثل انتقاله من الشاعر الجاهلي المسيب بن عَلَس، إلى ابن أخته الأعشى ميمون بن قيس، أو انتقاله من بَشامة بن الغدير إلى ابن أخته زهير بن أبي سلمى، ثم توريث زهير ابنه كعبًا هذه الصنعة الفنية قديمًا، أو كاستفادة تميم من والديه: الشاعر مريد البرغوثي ورضوى عاشور حديثًا. وإن كانت نظرية انتقال الموهبة الشعرية بالجينات الوراثية تحتاج إلى مزيد من البحث العلمي لاختبار مدى دقتها، فلا شك أن رعاية الشاعر الموهوب الناشئ وتدريبه على الإجادة في قول الشعر، وتوجيهه نحو نصوص الأدب الشامخة لينهل من معينها؛ سينعكس إيجابًا على جودة الشعر وفحولة الشاعر معًا، على النحو الذي استفاد فيه تميم بشكل كبيرٍ من تراثنا الشعري العربي في نصي: (قفي ساعة) و(معين الدمع).

منذ استماعي الأول إلى قصيدة (قفي ساعة) شعرت بما يشبه المعرفة المسبقة بهذا النص الجميل، وخصوصًا في مستواه الإيقاعي؛ من حيث موسيقا بحر الطويل وقافية اللام المؤسس لها بصوت الألف والمتبوعة بهاء الوصل المضمومة، وكذلك وجدت تعالقًا تناصّيًا بين هذه القصيدة وأبيات أخرى أحفظُها من نقائض جرير والفرزدق، بعدما توجه بعض المتابعين إلى البحث عن علاقات تناصية بين تجربة تميم البرغوثي من جانب، وبعضٍ من أشعار ابن الرومي من جانب آخر، متأثرين بشهادة بعضٍ من أعضاء لجنة الحكم بنص البرغوثي هذا. وقبل أن أراجع ديوان الفرزدق، عددتُ أبيات قصيدة البرغوثي؛ فوجدتها تسعة وعشرين بيتًا مقسمةً -بطريقة كلاسيكية خالصة- إلى أربعة مقاطع؛ يشغل المقطع الأول منها ثلاثة عشر بيتًا، في حين يشغل المقطع الثاني خمسة أبيات منها، ويشغل الثالث ستة أبيات، ويختمها الشاعر بمقطع أخير مؤلف من خمسة أبيات، وها أنا أُثبت ألفاظ الضرب أو الكلمات الأخيرة في الأبيات التسعة والعشرين، كونها تحتوي على قافية النص وتأسيسه ورويه ووَصْلِه، وغير قليل من الاتكاء على نصين من نصوص النقائض لجرير والفرزدق: (خاذله، زائله، يباخله، ماثله، نائله، حبائله، آمله، بدائله، أقابله، كاهله، قوابله، يطاوله، آكله، تجامله، قائله، تسائله، يجادله، يحاوله، وابله، أنامله، شمائله، معاوله، قبائله، مغازله، غازله، متناوله، مداخله، نصاوله، نبادله).

بعد أن أثبتُّ ألفاظ القافية في قصيدة البرغوثي؛ فتحت ديوان الفرزدق على روي اللام المؤسس لها بصوت الألف والمتبوعة بهاء الوصل أيضًا؛ فأحصيتُ فيه حوالي عشرين قصيدة ومقطعة من البحر الطويل، وقد وقفتُ على مدى التشابه الإيقاعي الكبير بين تلك النصوص ونص البرغوثي، الذي يقترب من حد التطابق الإيقاعي على مستوى الجرس الداخلي مع بعض منها بعضَ الأحيان، نظرًا لتكرار كثير من ألفاظ جرير والفرزدق عينها، ليس في أعجاز الأبيات الشعرية لدى البرغوثي فقط، وإنما في صدور أبياته الشعرية واستهلالاتها وحشوها وضربها وعروضها أيضًا، من مثل تكرار الألفاظ المشتملة على حروف الضرب والقافية والروي والإشباع والتأسيس والوصل؛ كألفاظ: (قائله، آمله، كاهله، وابله، أنامله، يطاوله، شمائله، يبادله، آكله، قبائله، يحاوله، معاوله…)، وكذلك قلد البرغوثي طريقتي جرير والفرزدق معًا من حيث الاستهلال بألفاظ محددة مثل: (أرى، يرى، نرى، رأيت) في أربعة مواضع من قصيدة (قفي ساعة)، واتكأ على أسلوب الفرزدق، الذي قال على هذا الإيقاع في موضع من شعره:

أرى الناس إذا خلّى ابن ليلى مكانَه/ يطوفون للغيث الذي مات وابلُه

وقال في موضع آخر:

أرى كل بحرٍ غير بحرك أصبحت/ تشققُ عن يبس المعين سواحلُه

ثم تجاوز البرغوثي حدَّ التقليد الأسلوبي في بعض المواضع إلى الاستفادة من بعض صور الفرزدق الشعرية، كما وظف بعض ألفاظه الشعرية على مستوى عتبة العنوان في نصه (معين الدمع) أيضًا.

ناهيك عن اقتباسات أسلوبية/ تصويرية أخرى كثيرة، مثل قوله:

أرى الموت لا يرضى سوانا/ كأنا لعمري أهله وقبائله

مستفيدًا من قول الفرزدق في وصف الموت:

ألا إن هذا الموت أضحى مسلطًا/ وكل امرئ لا بد تُرمى مقاتله

وقد قال الفرزدق في موضع آخر من نقيضته الشعرية:

رأيتُ جريرًا لم يضَع عن حماره/ عليه من الثقل الذي هو حامله

أتى الشام يرجو أن يبيع حماره/ فارسَه إذ لم يجد من يبادله

فرد عليه جرير في قصيدة (أنا الدهر)، ينقض فيها هجاءه، ويرده عليه:

أبينا فما يدعو إلى غيرك الهوى/ وما من خليلٍ بابن ليلى نبادله

واستفاد البرغوثي من جرير والفرزدق معًا حين قال:

فهل ثم من جيل سيقبل أو مضى/ يبادلنا أعمارنا أو نبادله

وكذلك يبدو لي أن جانبًا مهمًا من شغل البرغوثي الشعري يظهر في تطويره فكرة الهجاء والتناقض المباشر بين جرير والفرزدق، وتحويلها إلى هجاء الدهر أو ذم الموت، محورًا بوضوح بعض أبيات جرير، ومطورًا موضوعها في قصيدة (أنا الدهر) التي ينقض بها جرير هجاء الفرزدق؛ حيث قال:

أنا الدهر يفني الموت والدهر خالدٌ/ فجئني بمثل الدهر شيئًا يطاوله

فقد عدل البرغوثي في بناء هذا البيت ودلالته، محافظًا على الوزن والقافية؛ حيث قال:

أرى الدهر لا يرضى بنا حلفاءه/ ولسنا مطيقيه عدوًا نصاوله

بعدما قال في بيت سابق:

أرى الموت لا يرضى سوانا فريسةً/ كأنا لعمري أهله وقبائله

ومعلوم لدى دارسي شعر النقائض أن الفرزدق هجا جرير، وافتخر عليه مشبهًا نفسه بالموت، فرد جرير ينقض هجاءه مفتخرًا عليه ومشبهًا نفسه بالدهر؛ فاستفاد البرغوثي من الموضوعين: (الموت والدهر)، وجمعَهما في نص واحد، محافظًا على الإيقاع ذاته في نصّي جرير والفرزدق. ولعل أبرز ملامح اللعبة اللغوية لدى تميم البرغوثي في نصه (قفي ساعة) تتجلى في جمع الموضوعين في نص واحد، وتحوير التناقض بين جرير والفرزدق -من خلال تشبههما بالموت والدهر هجاءً وتفاخرًا- إلى ذم الموت والدهر وهجائهما، فقد نقل البرغوثي الهجاء من طبيعته الصادرة عن موقف ذاتي شخصي، وحوّره إلى هجاء جمعي يصدر عن قوم كرام، منهم القتلى والمظلومون، الذين يأبى كل من الدهر والموت التحالفَ أو حتى التصالح معهم، في إسقاط واضح على الواقع العربي المعاصر أو المرير.

وقد تكون إشارتنا السابقة إلى استفادة البرغوثي من نصوص جرير والفرزدق، على مستوى عتبة العنوان، أقل أهمية من الإشارة إلى عمل البرغوثي المهم في مجال معارضة نصوص الفحول الشعرية أو النسج على منوال النصوص الشامخة، كمجاراة جرير والفرزدق الشاعرين المبدعَين في فن النقائض، وهنا نشير إلى أن المعارضة الشعرية فن إبداعي شعري قائم في ذاته، له أسسه وأركانه ومقوماته وأهميته التي تنمو وتكبُر، إذا ما استطاع الشاعر أن يلج من بوابة معارضة النصوص الشامخة، إلى معالجة القضايا المعاصرة التي يضج بها الواقع الراهن، على النحو الذي قام به البرغوثي في نصيه: (قفي ساعة) و(معين الدمع).

وتدخل المجاراة الشعرية تحت باب المعارضة الشعرية، وكذلك إن فن الارتجال الشعري غير بعيد من المعارضة والمجاراة معًا؛ فالإجادة في المعارضة والمجاراة الشعريتين مؤشرٌ من مؤشرات القدرة على الارتجال الذي يحتوي على غير قليل من الشاعرية، مثلما يكشف عن مدى رصيد الشاعر اللغوي، ويرسم ملامح حضور بديهته الشعرية أيضًا.

ولا يخفى على الباحث المدقق أن المعارضة والمجاراة يتحولان، في بعض الأحيان، إلى اتكاء مباشر على النصوص الشامخة؛ فيدخل صاحبهما في حيز التقليد الممل، وقد يتجاوز ذلك إلى اجترار الأساليب اللغوية المستهلَكة إيقاعًا وبناء وتخييلًا، ولربما سقط الشاعر المعارِض أو المُجاري في حيز السرقة الشعرية والإغارة على معاني السابقين وأساليبهم، عن قصد منه أو دون قصد.

وتقوم معارضةُ البرغوثي معلقةَ عمرو بن كلثوم النونية على فكرة النسج على المنوال وزنًا وقافية، مع تجديد بسيط في الجانب الموضوعي؛ حيث لا يمكن لنص البرغوثي القصير أن يتجاوز ما هو أعمق من التجديد البسيط وأبعد منه، فقد قال البرغوثي في مطلع نصه:

معين الدمعِ لن يبقى معينا/ فمن أي المصائب تدمعينا

زمانٌ هون الأحرار منا/ فُديتِ وحكّم الأنذال فينا

فإن الحق مشتاق إلى أن/ يرى بعض الجبابر ساجدينا

في حين جاء في معلقة عمرو بن كلثوم قولُه:

ألا هبي بصحنكِ فاصبحينا/ ولا تبقي خمور الأندرينا

متى ننقل إلى قوم رحانا/ يكونوا في اللقاء لها طحينا

تكون ثِفالها شرقي نجدٍ/ ولهوتُها قضاعة أجمعينا

إذا بلغ الفطام لنا صبي/ تخر له الجبابر ساجدينا

وهناك نص في الفخر لعنترة بن شداد غير بعيد من نصي عمرو بن كلثوم وتميم البرغوثي، موضوعًا وإيقاعًا، وإن اختلف عنهما بحرف العين رويًا؛ حيث قال عنترة فيه:

إذا كشف الزمان لك القناعا/ ومد إليك صرف الدهر باعا

فلا تخشَ المنية واقتحمها/ ودافع ما استطعت لها دفاعا

أقمنا بالذوابل سوق حربٍ/ وصيّرنا النفوس لها متاعا

وسيفي كان في الهيجا طبيبًا/ يداوي رأس من يشكو الصداعا

بعد استعراض هذا القدر من لعبة البرغوثي اللغوية وملامحها، في نصين من نصوصه التي قدمها في برنامج أمير الشعراء، نجد أنه اتكأ اتكاءً ملحوظًا على نصوص شهيرة في التراث العربي، ونسج على منوالها، واقتصر تجديده على تجميع أكثر من موضوع في نص واحد، أو إعادة طرح الموضوع من زاوية أخرى، أو إضفاء لمسة تجديدية على بناء الجملة الشعرية القديمة، وقلّما نجده يبتكر نصًا جديدًا في كليته (شكلًا ومضمونًا)، حتى نصه الشهير (في القدس) لا يخلو من محاكاة واضحة لنص محمود درويش (في دمشق) ونصوص شعرية أخرى، لا يتسع المقال إلى الإسهاب في شرحها، وإنما تحتاج إلى مقال آخر للوقوف عند مجملها.

كل الذي ذكرناه لا ينفي موهبة تميم البرغوثي الشعرية، ولا يضيرها بشيء، وإنما يُعدّ إبداعًا لا بدّ من تجاوزه إلى ما هو أعمق منه في مراحل جديدة من تجربته الشعرية.

ولعل الذي ذكرناه في هذا المقال يساعد طائفةً من الشعراء الشباب، الذين يفكرون بخوض غمار التجريب أو التنافس، في عوالم المسابقات الشعرية وبرامجها، ويكشف لهم عن المدى الحقيقي لاستفادة الشاعر من القراءة بأنواعها المتعددة؛ وإن القراءةَ من أجمل ما يمكن أن يوصَى به الشاعر، أو يَحض عليه هذا المقال. وتبقى لكل مسابقة قوانينها وخصوصيتها وحيثيتها، مثلما يبقى لكل شاعر تجربته المتطورة باستمرار، ولن يضيرها الخروج من المسابقة؛ إذا ما أبدع بعدها، على نحو ما فعل الشاعر السوداني محمد عبد الباري في نصه: (ما لم تقله زرقاء اليمامة)، وكذلك لن تنفع شهادات المسابقات وألقابها شاعرًا حصل عليها، وانطفأ ذكره بعدها، بل على العكس من ذلك، فلربما صار اللقب وبالًا على الشاعر، ولربما صار الشاعر ذاته وبالًا على المسابقة وتاريخها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق