اقتصادسلايدر

من الفقر إلى الاستبعاد الاجتماعي.. لعنة الأسد تلاحق السوريين

في بلد مغلق، يخضع لسيطرة القلة، لا تبدو الأرقام المتعلقة بالنمو ومؤشرات أداء الاقتصاد صحيحة، أو قريبة من الحقيقة. وبخلاف ما يردده الإعلام الرسمي، فقد تراجع خلال السنوات الثماني التي مضت -وهي سنوات الحرب من أجل بقاء الأسد في السلطة- معدل النمو تراجعًا خطيرًا، حتى وصل في ذروة الصراع إلى (- 17.98 بالمئة سالب)، فيما تراجع الاستثمار الكلي بالأسعار الثابتة أيضًا إلى (- 12 بالمئة سالب).

تتعمد الحكومة السورية تجنب أي حديث ينطوي على معلومات واضحة ودقيقة، تتعلق بالوضع الاقتصادي في البلاد. كما تتجنب الخوض في الأرقام، بعد أن حجبت الوصول إلى مصدرها الرئيس، تحت ذرائع ومسوغات غير مقنعة. إن الإصرار على وصف مخرجات الحرب بـ “الانتصار التاريخي”، إنما يهدف إلى التغطية على انهيار بنى الدولة ومكوناتها، وتجاهل الضريبة التي دفعتها البلاد، نتيجة إصرار الأسد على الاستئثار بالحكم، ورفضه التداول السلمي للسلطة، وعدم وجود قناعة لديه بخيار الديمقراطية واحترام مبادئ حقوق الإنسان.

تشير الأرقام المستقلة إلى تراجعات ملحوظة، على مستوى معدلات النمو والاستثمار والتجارة، واحتياطات العملة الأجنبية، ومالية الدولة، إضافة إلى تفاقم الدَين الخارجي الذي ترتب الجزء الأكبر منه على واردات السلاح والذخائر والتقنيات التي ساعدت النظام في الحد من انتفاضة شعبه.

دون أدنى شك، أدت الحرب إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، على نحو مريع يصعب وصفه. لكن الجانب المتمم للحقيقة يكشف أن هذا التدهور إنما يشكل حلقة من سلسلة بدأ ظهورها، كما تدل الوقائع، قبل أكثر من أربعة عقود.

منذ عام 1970، وهو العام الذي استولت فيه عائلة الأسد على السلطة، لم تشهد البلاد نموًا حقيقيًا، لمس المواطن ارتداداته الإيجابية؛ ففي عام 1980، أي بعد عشر سنوات من حكم الأسد الأب، بلغ معدل نمو الناتج الإجمالي المحلي، وفق تقارير البنك الدولي، 4.07 سلبي. وفي عام 1989 تراجع أكثر ووصل انخفاضه إلى 8.96 سلبي. وقبل عام من وفاته شهد بعض التحسن، لكنه بقي في نطاقه السلبي، وبلغ بحسب المصدر ذاته 3.55 بالمئة.

إن البروباغندا التي اتبعها الأسد الأب، في جميع مراحل حكمه، لإقناع العامة بوجود إنجازات تنموية، وصروح صناعية، وحالة رخاء اقتصادي، بينما معدلات النمو تقول غير ذلك، هي البروباغندا ذاتها التي استخدمها الابن الوريث لإقناع جمهوره بفكره المتطور، وعزمه على تطوير الإرث الذي تسلمه، لبناء دولة حديثة، تحترم عدالة توزيع الثروة، وتعمل على رفاه شعبها.

في الجانب الأكثر إثارة، مثلًا، تصف حكومة الأسد الابن المرحلة بين عامي 2010 – 2006 التي تراوح فيها معدل النمو الاقتصادي على التوالي، بين 4.93 بالمئة و3.18 بالمئة، بـ “فترة الانتعاش”. ولكن أي انتعاش هذا؟! في أيار/ مايو 2010 انتقد الاتحاد المهني لنقابة عمال الخدمات بدمشق أداءَ الاقتصاد، ورأى في تقرير معلن أن المؤشرات المتداولة تدل على وجود زيادة في عدد الفقراء والعاطلين عن العمل، كما تدل على زيادة حدة التفاوت الاجتماعي، وغياب العدالة في توزيع الدخل، وتفاقم المشكلات المعيشية للسكان، وانخفاض القدرة الشرائية، واتساع الهوة بين الأجور والأسعار.

وفي تلك المرحلة ذاتها، نفى الاتحاد العام لنقابات العمال أيضًا أن يكون أصحاب الأجور قد لمسوا أي إيجابية من نسب النمو التي أعلنتها الحكومة، كونها ناجمة عن اقتصاد ريعي قوامه الخدمات المالية والعقارية. كما أكدت دراسة تحليلية للميزان التجاري، خلال الفترة ما بين عامي 2016/1992، أصدرها حديثًا مركز أبحاث شبه حكومي، أن الميزان التجاري عانى عجزًا على مدى 21 عامًا، ما وضع الناتج الإجمالي المحلي في حالة قصور وعجز عن تلبية الطلب الداخلي (إجمالي الإنفاق على الاستثمار والاستهلاك) وقوّض فرص النمو.

ورث السوريون الفقر بكل أشكاله من نظام الأسد الأب؛ حيث افتقد عهده العدالة، عندما أسس تنميةً غير شاملة، ونموًا غير مستدام يعتمد على المساعدات الخارجية، وأوجد كذلك فقرًا نقديًا غير مسبوق، تصاعد معدله مع انسحاب الدولة لاحقًا (مع بداية حكم الأسد الابن) من دورها الاجتماعي وانتقال اقتصادها، من المركزية التي تُخضِع الإنتاج وتوزيع الثروة لسيطرتها، إلى اقتصاد مفتوح غير اجتماعي، منح رجال النظام فرصة تكديس الأموال والإثراء غير المشروع، على حساب طبقاتٍ بعضها لم يعد له الآن أي وجود.

في عام 2005، تمكّن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن يرصد وجود 2.2 مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر، لا يمكنهم توفير احتياجاتهم الأساسية، و5.3 مليون يعانون الفقر إجمالًا. لكن في ظل تحولات السياسة والاقتصاد، تحت حكم الأسد الابن، تطور الفقر النقدي الذي يتضمن قدرة الأسرة على تلبية الاحتياجات الأساسية الضرورية من الغذاء، والمأوى، والملبس، والسلع الأخرى التي يمكن الحصول عليها، عادة، بالشراء من الأسواق أو توفيرها ذاتيًا، إلى فقر مدقع، وفقر متعدد الأبعاد.

وتقول تقارير أممية: إن 13.1 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات إنسانية، 5.6 مليون منهم بحاجة إلى مساعدات ملحة ليبقوا على قيد الحياة. كما أن 83 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خطر الفقر، إذ تعادل تكلفة الحصة الغذائية الشهرية التي تشمل المواد الأساسية، ما لا يقل عن 80 بالمئة من الراتب الشهري، فيما يعيش 69 بالمئة من السكان في فقر مدقع.

في ذروة صراعه على السلطة، طوّر الأسد فقر السوريين إلى استبعاد اجتماعي؛ فقد كان تفرده بالحكم يتطلب، علاوة على حربهم، تفقيرهم وتهميشهم واستبعادهم (قانونيًا، وديمقراطيًا، وسياسيًا) وإعاقتهم بطرق غير مادية، وحرمانهم من الرفاه، وتفكيك عوائلهم ومجتمعاتهم المحلية، وكذلك استبعادهم اقتصاديًا في آن معًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق