اقتصادسلايدر

في الاقتصاد الزبائني.. صعود لاعبين وهبوط آخرين

عندما تفقد الأمل، عليك أن تنتظر ما هو أسوأ. هكذا ينظر السوريون إلى الأوضاع المتأزمة في بلادهم، حيث إن الوعود التي أطلقها نظام الأسد، حول تحسن الاقتصاد، واستقطاب استثمارات جديدة، وتحرك عجلة الإنتاج، كجزء متمم لانتصاره المزعوم في الحرب، لم تكن غير سراب، أو جرعة مهدئة، أو أماني، كان من الصعب أن تتحقق في ظل نظام سياسي متهالك فقَد القدرة على إقناع شعبه، مثلما فقد دوره في قيادة البلاد.

اليوم، لا يرى (سعيد، ن) الذي يملك متجرًا لبيع المواد الغذائية والأعشاب الطبيعية بالجملة، في سوق “مدحت باشا” الشهير وسط المركز التجاري للعاصمة السورية دمشق، أيّ أمل في تدارك الهشاشة التي يعيشها الناس، بعد أن انهارت مقومات الدولة، وتحول اقتصادها إلى خراب، وقال: “ليس هناك استثناء، فقد تغير كل شيء، الحياة اختلفت كثيرًا. انظر إلى وجوه الناس، قلما تجد من يبادرك بابتسامة عندما تلقاه، لأن متلازمة الاكتئاب والسوداوية تسيطر على مشاعر الجميع. لا أحد في البلد يعرف كيف تجري الأمور؛ الرئيس يكذب، والحكومة تكذب، ونواب الشعب يكذبون، والسياسيون -بالتسمية فقط- يبحثون عن مصالحهم وامتيازاتهم، وما يُنمّي ملاءتهم المالية، وعلاقتهم بالسلطة ومفاصلها الفاعلة”.

وفق مقياس أداء الاقتصاد؛ تفتقر التنمية التي يكثر الحديث عنها في الخطاب الحكومي، إلى عدالة التوزيع. توزيع الأصول، والدخل، وفرص العمل والمشاركة. أما بالنسبة إلى (سعيد) فلم تترك البرجوازية الحديثة، التي اعتمدت في صعودها على صفقات تجارية غير قانونية، احتكارية، تمت بمشاركة مسؤولين في النظام الحاكم، للوسط التجاري التقليدي لينشط وفق متطلبات السوق؛ فمعظم السلع الموجودة في متجره يقوم باستجرارها عن طريق معتمدين حصريين، لا يحق لغيرهم استيرادها من الخارج؛ إذ باتت الأسواق حكرًا على رواد أعمال، تربطهم صلات بعائلة الأسد، تمنحهم الاستثناءات والامتيازات التي يريدونها، مقابل ولاءٍ تغلب عليه المصلحة والمنفعة المتبادلة.

إبّان حكم “الأسد الكبير” 2000/1970، لعب أقطاب التجارة في دمشق أدوارًا مهمة، في تعزيز حكم الفرد، عندما انحازوا إلى سياسة الإقصاء، والقبضة الحديدية التي حولت البلاد في ثمانينيات القرن الماضي إلى سجن كبير. وكان من الواضح أن الطبقة التي أمسكت ذات يوم بالصناعة السورية، واجتهدت لازدهارها، قد استبدلها الأب بطبقة تجارية، لقيت دعمًا غير محدود، بعد أن ضَمِن عدم تحوّل قوتها الاقتصادية إلى نفوذ سياسي، واطمأن إلى عدم قدرتها على التحرك الجماعي المنظم، لتؤثر كشبكة فاعلة في استقرار النظام، الذي بدأ ينفرد بالسلطة تدريجيًا.

لم يمسّ الأسد الابن، الذي ورث السلطة، الهيكل الذي بناه الأب طوال ثلاثين عامًا، كما أنه لم يُجر تعديلات أساسية على النهج الذي كان يتبعه في إدارة الدولة. غير أنه شق طريقًا اقتصاديًا، مهّد لظهور طبقة شابة من الأصدقاء والأقرباء، والمنتفعين من مراكز آبائهم السلطوية. بنَت ثروتها عبر صفقات غير مشروعة، وبيّضت أموالها من خلال مشاريع خدمية وترفيهية ومالية، وهي تتحكم اليوم في قطاع التجارة بشقيه الداخلي والخارجي.

باستثناء القتل والتهجير والتدمير، يعتقد (سعيد) أن من أسوأ مخرجات الحرب، تضخم حجم فساد النظام. فعلاوة على النهب المنظم الذي مارسه لإدارة معركته، أعاد ترتيب الفاعلين الاقتصاديين، وأضاف إلى شبكته الزبائنية مجموعة ناشئة، استغلت الفوضى المتفشية في أروقة الدولة، للإثراء عبر نشاط احتكاري، وأنشطة موازية، ساعدته في استمرار تأمين بعض المتطلبات الأساسية لمناطق سيطرته، فضلًا عن إبرامها صفقات متبادلة مع أمراء الحرب، تم خلالها تبادل السلع الغذائية، والمواد الاستهلاكية، ونقل الأموال من وإلى جبهات الصراع.

غيّر الاستئثار بالسلطة، والتوحش بها، أنماطَ الحياة داخل المجتمع السوري، وقدّم الحكم الفئوي، الطائفي، إلى المجتمع أدواتٍ جديدة وفاعلة، تتمتع بنفوذ مادي ومعنوي، يتصاعد تدريجيًا مع تصاعد دورها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي؛ لتصبح صاحبة قرار بكل ما يخص تأمين مصالحها، وتنمية موارد أموالها، ولو على حساب مصالح الشعب برمته، الذي أفقرته الحرب وأفرغت ما في ثلاجاته من طعام.

تتجاهل غرف التجارة السورية، وبعض المنتسبين إليها الذين يدعمون سياسة الأسد علنًا، تحالفات الأخير، وتأثيراتها على أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة؛ فقد استغلهم النظام، وأضعفهم، وهمش أدوار غالبيتهم لصالح زبائنيته المتغيرة. غير أن تغييبها عن اقتسام الكعكة دفع رئيسها غسان القلاع للإدلاء بتصريحات غاضبة لوسائل إعلام محلية، أشار فيها إلى وجود طبقة جديدة تتولى القيام بأعمال غير مشروعة، نتيجة إقصاء التجار النظاميين. تساءل القلاع، على سبيل المثال: “هل يجوز منح شخص إجازة استيراد بـ 100 مليون دولار لسلعةٍ ما، ويأخذ غيره مليون ليرة للسلعة نفسها؟!” وأضاف: “من الضروري أن تكون هناك مساواة بين جميع المستوردين، فالسياسة المتبعة بمنح إجازات الاستيراد أدت إلى خروج العديد من المستوردين من السوق، وعزوفهم عن العمل التجاري”.

يؤكد (سعيد) أن الفوضى التي يعيشها الاقتصاد، ومنها فوضى زبائنيته، زادت حدة الانقسام الذي كان موجودًا بين فئات المجتمع في مرحلة ما قبل الحرب. ويرى أن الأسد، الذي استخدم موارد الدولة كوقود في معركته من أجل البقاء، وعمل على تعظيم مصالحه، ومصالح شبكاته، رفع الفجوة إلى حدود خطيرة، تمهد لصراع طبقي، أو احتجاجات جديدة، تتكشف اليوم خيوطها من خلال ما يصدر عن بعض الموالين للسلطة من بيانات، تندد بما أسمتهم أثرياء الحرب، الذين تتكدس الأموال في أيديهم، بينما يعيش 90 بالمئة من السوريين تحت مستوى خط الفقر.

يتراكم فشل النظام في إعادة إنتاج نفسه، من هشاشة دولة البعث. ومن الواضح أن مظاهر الاستياء مما يجري تستقطب اليوم محتجين جددًا. فقبل أيام قليلة، كتب أحد الوزراء السابقين في حكومة محمد ناجي عطري، متهكمًا على تردي الوضع العام: “أقترح أن تُصدر الحكومة بطاقة ذكية، تدل حاملها على أماكن الأزمات، كي يتجنبها، ويبقى سعيدًا بعيدًا عن المنغصات.. خلوا المواطن مرتاحًا من الكهرباء والماء والغاز والمازوت والبنزين.. قبر معروض للبيع، وهناك إكرامية للجاديين فقط، بشرط أن يكون لدى المتقدم بطاقة ذكية، تكفل له الجنة، والخلاص من هذه المعيشة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق