سلايدرقضايا المجتمع

المرأة السورية وقوانين الغدر

هل فعلًا يمكن اعتبار المرأة السورية ذات مواطنية كاملة في الحقوق والواجبات، بناءً على نصوص الدستور السوري ومواده (25-26-27)؟

إن دستور الدولة السورية “المُعطَّل” -باعتباره الضابط لحركة الدولة بمؤسساتها المختلفة ومصدرًا للتشريعات والقوانين- لم يكتسب ميزاته النافذة بشكل تنسجم معه كلّ القوانين، وهو ما يعرف بـ (دستورية القوانين). حيث يشير الواقع العملي إلى أن ميزة المواطنية الكاملة للمرأة، وحقوقها وواجباتها، ظلّت رهنًا بقانون الأحوال الشخصية، وفصوله المتعددة المستمدّة من العهد العثماني، وكتاب (الأحكام الشرعية) لقدري باشا على مذهب الإمام أبي حنيفة، التي اعتُمدت في سورية منذ عام 1953، وأفقدت أي تعديل لاحق القدرة على تجاوز حكم الشرع ونصوصه الصريحة بتبعية المرأة للرجل.

في خطوة لافتة -هكذا تمّ تعريفها إعلاميًا- أصدر رأس النظام السوري بشار الأسد القانون رقم 4 لعام 2019 القاضي بتعديل بعض مواد قانون الأحوال الشخصية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 59 لعام 1953 وتعديلاته. وبحسب وزير العدل القاضي هشام الشعّار، تمّ تعديل أكثر من 60 مادة من القانون، تلبية لحاجات المواطنين والمجتمع، واستجابة للتغيّرات التي طرأت على المجتمع، وبهدف حماية الزواج وتشجيعه.. وحماية الأمومة والطفولة، ومراعاة ما حقّقته المرأة من إنجازات مهمة خلال الخمسين سنة الماضية، في جميع المجالات ومواقع صنع القرار. لكن هذه التعديلات لا تقارب الحماية ولا تلامس أطراف ما حقّقته المرأة، إن لم نقل خلال الخمسين عامًا، فخلال الحرب التي انعكست بمجمل تداعياتها على المرأة.

في ظل غياب قانون مدني للزواج في سورية، فإن قانون الأحوال الشخصية، بصيغته التعسّفية ضدّ المرأة وضدّ فئات متعدّدة من المجتمع، سيبقى هو الناظم لما تحقّقه المرأة، وهو الأساس الذي تُبنى عليه الأسرة. فهذا القانون يُفرض تطبيقه على جميع المواطنين (ما لم ينتموا إلى أديان أو طوائف لها قوانينها الخاصة بالزواج) حيث إنه يُلزم الأقليات غير المعترف بها رسميًا، كالبهائيين وشهود يهوى، وكل الرافضين قوننة حياتهم الزوجية وفقًا لحكم التشريع الديني ونصوصه التي لا مهرب من آثارها.

وكي لا نخوض في مجمل البنود المعدّلة، في هذا القانون الذي ما يزال يُقرّ بشهادة المرأة المنقوصة (حيث يشترط وجود شاهدين رجلين أو رجل وامرأتين)، سنسلط الضوء على المواد الأكثر جدلًا، بما لاقته من استحسان واستنكار في الوقت نفسه، في ما يخصّ المرأة.

1- منح المرأة حق تقييد عقد الزواج، بشرط المادة (14): “لكل من الزوج أو الزوجة أن يقيد عقد الزواج بشروطه الخاصة التي لا تخالف الشرع والقانون”. وقد تُرجم ذلك على أنه “يمنع تعدّد الزوجات”. هذه المادة لا تقارب منع الزواج بأخرى، كشرط تطلبه المرأة وتناله، حيث ورد في المادة نفسها البند (2): “إذا قُيّد العقد بشرط ينافي نظامه الشرعي أو مقاصده؛ فالشرط باطل والعقد صحيح”. وبما أن تعدّد الزوجات حقّ شرعي من حقوق الرجل؛ فإن أي شرط من هذا القبيل هو باطل.

2- منع زواج القاصرات: المادة (16) تُقرّ باكتمال أهلية الزواج في الفتى والفتاة ببلوغ الثامنة عشرة من العمر، لكن المادة (18) تفتح مجال الالتفاف عليها، وفقًا لادعاء المراهق والمراهقة البلوغ، بعد إكمال الخامسة عشرة، حيث “يأذن القاضي بالزواج؛ إذا تبيّن له صدق دعواهما واحتمال جسميهما، ومعرفتهما بالحقوق الزوجية”. فادعاء البلوغ ورأي القاضي ما يزالان موجودين، وإمكانية العبث قائمة؛ ما لم يُقرّ القانون صراحة بمنعه. أي أن ظاهرة زواج القاصرات وخطورتها ستبقى رغم أنف المنظمات الحقوقية والإنسانية التي دقت ناقوس الخطر، مطالبة بوضع تشريعات وسنّ قوانين تحد من تفاقم هذه الظاهرة في سنوات الحرب.

3- منع إجبار الفتاة على الزواج: المادة (21) “إذا زوّج الوليّ الفتاةَ بغير إذنها، ثم علمت بذلك كان العقد موقوفًا على إجازتها صراحة”. هذه المادة لم تُقرّ صراحة بمنع الإجبار إنما التوقيف، ولم تعتبر إذن الفتاة هو الأساس، وبالتالي ستزيد من احتمال تعرّض المرأة للضغوط الممارسة من الأهل ومن المجتمع، لقبول الزواج.

4- إعطاء حقّ الحضانة للأم أولًا: المادة (139) حقّ الحضانة للأم، فللأب، فلأم الأم. يتمّ تحديد سقفه في المادة (146) التي تُقرّ بانتهاء مدّة الحضانة بإكمال الولد (ذكرًا كان أم أنثى) الخامسة عشرة من العمر، ولا خيار للولد بين أبويه. فهذا الولد يستطيع الزواج، وبناء أسرة في عمر 15، ولا يستطيع الاختيار بين أبويه!

5- الاستمرار في منع زواج المسلمة (ومن في حكمها) بغير المسلم (الزواج الباطل): المادة (50) تعتبر كل زواج اختل فيه شرط من شروط الانعقاد أنه باطل، ولا يترتب على الزواج الباطل أي أثر، ولو حصل فيه دخول. وورد في المادة (48) في قانون الأحوال الشخصية، أن زواج المسلمة ومن في حكمها بغير المسلم باطل، ويعتبر الأطفال المولودون عن علاقة مماثلة (غير شرعيين). فالمرأة “غير الكتابية” يُطلب منها وثيقة إشهار الإسلام، لكي تستطيع عقد قرانها مع رجل مسلم، وإن تزوجت بغير المسلم؛ فعلى كليهما إشهار إسلامهما.

القانون يضع حدًّا شرعيًا لأنواع الزواج المختلط، ولا يعترف بالعقود المبرمة خارجه: “إن كان هناك عقد مدني في الخارج، أو عقد كنسي، أو غيره”، ويتعداها إلى اعتبار ثمرة هذا الزواج من أطفال “غير شرعيين”. وبغض النظر عن حجم المشكلات التي تواجه الأطفال تحت بند “غير شرعيين”، فإن هذا التعديل أتى في وقت ناقشت فيه القوانين تعديل كلمة “لقطاء” المستخدمة في المرسوم التشريعي رقم 107 الصادر بتاريخ 04/ 05/ 1970 إلى “مجهولي النسب”، وأقرّت في المادة (14) كل من يدّعي صلة نسب بمجهول، تسري عليه الأحكام المتعلقة بالإقرار بالنسب الواردة في قانون الأحوال الشخصية. أي يحمل “اسم الأسرة أو ما يقوم مقامها من أسماء السلف” والأسرة -بحسب المادة ذاتها- هي “المجموعة المؤلفة من الأب والأم والأولاد”، وبناء على ذلك فإن “مجهول النسب”، الذي يُحتمل أن يكون ثمرة اغتصاب، له أولوية في صيانة نسبه وحقوقه أكثر من طفل الزواج المختلط الذي لا يعترف عليه كزواج تبنى على أساسه أسرة.

كما أن هذه التعديلات تجاهلت بالكامل حقوق المرأة العاملة التي تستلزم تعديلًا في قوانين الإرث والطلاق، وعقلنة الزواج ومأسسته، وصوغه وفق شروط تعاقدية متكافئة، حيث تغيّر الواقع، وصارت المرأة شريكًا في الإنفاق، أو هي المعيل في كثير من الأسر. ويظهر الفارق الحضاري الشاسع، إذا ما قورنت هذه القوانين بقانون حمورابي في (2287-2232) قبل الميلاد وما أقرّه من حقوق لميراث المرأة، ونصّه الصريح في المادتين (167-168) بتساوي الجميع ذكورًا وإناثًا بالميراث، ونصه في المادة (172) أن للزوجة من ثروة زوجها المتوفّى المنقولة حصّة تعادل حصّة أحد أولادها، ولو أن المتوفى لم يخصّصها بهبة.

قانون الغدر بالمرأة وبالأطفال ما زال ساريًا، والعبث بحقوقها -تحت غطاء قانون الأحوال الشخصية- ما زال قائمًا، لن توقفه موجة المتغيرات التي طالت البنية السورية، ولا اختلاف دور المرأة في تأسيس الأسرة وصيانة الأولاد، ما دام قانون الشرع الديني أعلى من سلطة الدستور.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق