مقالات الرأي

المرتدّون

ثمة وعي ميكانيكي وسطحي ودوغمائي، أغلق كل الآفاق أمام الثورات العربية ومساراتها. طبعًا، نحن هنا لا نتحدث عن أصحابه من المدافعين عن الأنظمة الدكتاتورية، ولا عن أولئك الذين استوطنهم الجبن والخوف فولّد حيادهم، فمن الطبيعي أن يحرس هؤلاء جميعًا ثقافة الراهن وسياسات القمع. إننا نقصد نموذجًا فذًا من الثوار أنفسهم، فبعد أن سكنوا سرديات الرفض دهرًا طويلًا، نجدهم اليوم أطول الواقفين في ساحات الدفاع عن الثورات المضادة، أما تبرير موقفهم ذلك فعائد إلى رفض تلك الوحوش الأصولية والكائنات المدربة على سفك الدماء، بعد أن تم استنباتها مثل ورم في تربة الانفجارات الشعبية المتعطشة للكرامة والحرية والديمقراطية. ورُبّ مبرر جعل تبنيهم المطالب الثورية للجماهير مجرد آلة عاطلة عن العمل، فتحولوا إلى مجرد مسوخ تمجد الطغاة، وترتد إلى حراسة الأنظمة الفاشية القائمة.

صحيح أن آفاق العبور إلى المستقبل تكاد تكون منعدمة، وأن اختراع طرق جديدة تسلكها تلك الثورات نحو انتقال ديمقراطي أشبه بالعراك ضد المستحيل، ولكن هل يعني ذلك القفز خطوة إلى الوراء؟ وهل يبرر هذا اليأس العودة من جديد إلى الطغاة بعد الثورة عليهم؟ وهل يختلف الفاشيون/ حكام اليوم عن تلك الوحوش التي فرضت علينا التخلي عن مطمح الجماهير، ومن ثم الاصطفاف وراء الثورات المضادة؟ إننا ندرك جيدًا أن “الإرهاب علامة جذرية على خلل في الحداثة” بعبارة المسكيني، وندرك أكثر أن أولئك الطغاة مجرد بيادق تديرهم أفعى الاقتصاد العالمي وتوحش رأس المال، كما ندرك وهم بطولتهم الحالية، وإن كان يُحسب لهم التصدي لثقافة النوق والظلام. طبعًا، لا يمكن أن ننسى أنهم من صناعها أيضًا.

إن التراجيدي في الأمر يكمن في مأساة أولئك الثوار، تلك التي تجد اشتغالها في عدم انتباههم إلى أن الإرهاب مجرد ضدٍّ نوعي لعنف تلك الأنظمة الدكتاتورية، وأنه محض اختراع من قبل رأس المال العالمي، حتى يعطل عجلة التاريخ السائرة إلى المستقبل، وأن مرجعياته الدينية ما هي إلا حصان طروادة جديد. بالتأكيد، إن الفاشيين يمتلكون قدرة مرعبة على تربية الوحش الدموي، ومن ثم إطلاقه كي يعكر حقول الثوريين الذين سيجدون أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاصطفاف وراء الإرهاب، أو الاصطفاف وراء عنف الدولة ونظامها القائم.

للتدليل على ذلك، نعود الآن إلى طرح جملة من الأسئلة على النحو التالي: مَن يستثمر الإرهاب؟ كم من تاجر سلاح نظر إلى هذه الظاهرة من زاوية الربح والخسارة؟ في أي رصيد بنكي تصب منتجاتها؟ ألا يمكن القول بأن الإرهاب يمثل وطنًا للذين رفضتهم الدول الحديثة والذين خابت انتظاراتهم من السرديات الثورية؟ ألا يمكن اعتبار فشل الدولة المدنية الحديثة، في اختراع أفق إنساني، هو ما جعلها تستنبت الإرهاب كضد لها حتى تصدر نفسها حارسة للإنسانية فيما بعد؟ ما الفرق بين عنفها وعنف الإرهابيين؟ أي مشروع لها مقابل مشروع الإرهاب؟

قال جان بودريار، في كتاب (عنف العالم) وهو كتاب جماعي: “قيل إن الله نفسه لا يستطيع أن يعلن الحرب على نفسه. حسنًا، لو أن الغرب في موقع الله (موقع الجبروت الإلهي والشرعية الأخلاقية المطلقة)، لأصبح انتحاريًا، وأعلن الحرب على نفسه”. على ذلك النحو، سنطرح السؤال التالي: لماذا تلتجئ القوة إلى حرب ضد ذاتها؟ لأنها -ببساطة- نصّبت نفسها في موضع الآلهة، مالكة الحقيقة المطلقة، والخالية من الأخطاء. طبعًا، إن لذلك دلالة قوية على دكتاتوريتها ودمويتها، كما يعكس ضربًا من انتمائها إلى حقل ميتافيزيقي صرف، وهنا سننتبه إلى أن دول الغرب أو الدولة المدنية الحديثة ما هي إلا استكمال للمطلق السماوي القديم، كما أنها لا يمكن أن تعيش إلا من خلال اختراعها لأعداءٍ ما. إن عجزها المرير المرتبط بعجز العقل التنويري عن الإيفاء بوعود السعادة للبشرية هو ما سيولد عنفها، كما سيسهل عملية استنبات نقيضها الداخلي: هو اليوم يجد اشتغاله في هذه الظاهرة المسماة بالإرهاب. نقرأ لإدغار موران في الكتاب نفسه ما يلي: “ينبغي الأخذ بالحسبان أن الحضارة الغربية (المماثلة للحضارة لأنها حاضرة في كل مكان من العالم) تحمل في داخلها سرطانات ومشكلات. وإن الأنماط الشهيرة للتطور التي نقلتها أوروبا إلى البلدان الأفريقية أو إلى الشرق الأوسط، قد فشلت. فإذا مات التقدم؛ فلن يكون هناك جدوى من المستقبل. وعندما نفقد المستقبل، وعندما يكون الحاضر مقلقًا وبائسًا، ماذا بقي لإنجازه؟ إن الطريقة الوحيدة للخلاص من هذا الإحراج هي العودة إلى الماضي الذي يكف عن كونه نسيجًا من الإقصاءات ليصبح ملاذًا”.

ثمة إذن بؤس معولم يحدق بخرابه في سماء الحضارة الإنسانية برمتها، وهو بهذا الشكل الحاد والعنيف يؤكد فشل التجارب الديمقراطية نفسها، حتى لدى الغرب، إذ إن سلامه الداخلي –وهذا مشكوك فيه- تفضحه حروبه في الشرق، وهي حروب تجد سرديتها في محاربة الأصولية، من دون اعتراف يقول بأنها نتيجة حتمية لانسداد أي أفق مستقبلي للشعوب، وبأنها ردة فعل بافلوفية ضد توحش الدكتاتوريات المحلية، بوصفها تخوض حربًا بالوكالة على مجتمعاتها، لذا فمن المنطقي جدًا أن تولد موجات من الرفض العدمي العنيف، أمام غياب قوى يسارية تخترق حدي النزاع ذلك.

ليس ثمة إذن غير صراع عنيف، بين قوتين جبارتين هما النظام والإرهاب، إذ يمثلان الدور نفسه في ملعب تخصيب الفناء، ويتحدث بودريار عن ذلك بالقول: “في هذه الحلقة المدوخة للتبادل المستحيل للموت، يغدو موت الإرهاب نقطة في بحر، إنما يثير توقًا، فراغًا، بروزًا عملاقًا. حول هذه النقطة المتناهية في الصغر، كل النظام -نظام الواقع والقوة- يتكثف، يضطرب، يتكاثف ويتلف في فعاليته الفائقة. إن خطة النموذج الإرهابي قائمة على إثارة عنف الواقع، وهدم النظام في خضم هذا العنف المتصل بالواقع. وإن هذه السخرية من الواقع، والعنف المجيّش للسلطة، يستهدفان هذا النظام، لأن الأعمال الإرهابية هي المرآة المفرطة في انعكاس عنف هذا النظام الخاص”. طبعًا، نحن في هذا السياق سنخلص إلى نتيجة جد مفزعة، إذ لا دور للإرهاب إلا إنقاذ النظام نفسه، بعد أن بات عنفه أرحم من عنف الإرهاب بوصفه عنفًا مضاعفًا.

على هذا النحو، لا يمكننا النظر إلى التيارات الدينية المتشددة والفصائل الإرهابية، بمعزل عن الأنظمة الدكتاتورية، إذ كلاهما يمثل عدوًا للجماهير ذات المطامح التنويرية، تلك التي اندفعت كالسيول الهادرة منادية بالحرية والكرامة والديمقراطية، فإذا بها بين فكي تلك الرحى التي طحنت انتظاراتها. إن ما يغذي هذه المأساة هو ذلك السقوط المدوي للقوى التقدمية والثورية التي تم صيدها في لعبة الشطرنج السياسي، فتورطت في تلك اللعبة القائلة بأن عنف الدولة/ الأنظمة أقلّ همجية من عنف الإرهاب، وهذا ما سيجعلنا نصِف أصحابها بالمرتدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق