سلايدرقضايا المجتمع

الباغوز.. هل زالت أفكار (داعش) بزوالها!!

طُويت صفحة رهيبة من الحرب ضد تنظيم (داعش)، واختارت الأقدار هذه البلدة البائسة، لتدفع آخر أثمان الموت والخراب في تراجيديا الموت المرعبة، وتم اقتياد أكثر من خمسة آلاف محارب شديد إلى المعتقلات، فيما أرسلت عشرات الآلاف من نسائهم وذراريهم إلى مخيم الهول.

تبخرت (داعش) فهل تبخرت أفكارها؟ وغابت (داعش) فهل غابت أسئلتها الملحة الصارخة فينا؟

يؤلمني أن أقول: إن مدارسنا الدينية ستدرس تجربة (داعش) على الشكل التالي: “… وبعد أقل من قرن على سقوط الخلافة، قام المجاهدون بجهاد طويل ضد الصليبيين والمشركين، ونجحوا في إقامة دولة الخلافة في عام 1435، وأعلنوا قيام حكم الله، في الموصل والرقة والباب ومنبج والبوكمال، وأعلنوا خلافة على منهاج النبوة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وطبقوا أحكام الشريعة، وعاش الناس في سعادة ورغد وعدل، ولكن أعداء الإسلام من صليبية ماكرة وماركسية ملحدة، أنشؤوا تحالفًا دوليًا لمحاربة دولة الخلافة، واستعانوا بكل ما في الدنيا من سلاح ومدافع وقصف جوي وبري، واستعانوا بالملاحدة والقوميين والعلمانيين من الحكام الخونة، ثم استطاعوا في النهاية أن يقضوا على دولة الخلافة، بعد أن أظهر أبطال دولة الخلافة ثباتًا وشجاعة وجهادًا عظيمًا”.

وسوف تتسلل إلى مناهجنا وكتبنا أسماء ابن لادن والظواهري وأبو بكر البغدادي والجولاني والزرقاوي، لتدرج إلى جانب أسماء الفاتحين الأوائل أمثال قتيبة بن مسلم وطارق بن زياد ومحمد بن القاسم وموسى بن نصير.

وأما ارتكابات السبي والاسترقاق، فستُذكر في حواشي الحديث عن بني قريظة وخيبر، وسيتم تقديمها من جديد استمرارًا للجهاد المقدس في قتال المشركين، ووجوب حملهم على أحد مطالب الثلاثية الشهيرة: الإسلام أو الجزية أو السيف.

لا أعتقد أن في ما أرويه أدنى مبالغة، بل إن عددًا من المدارس قد بدأت بالفعل بدراسة التاريخ بهذه الصورة، وفي الأسابيع الأخيرة كانت النداءات تتوالى من مجموعات الثوار الإسلاميين، لنصرة إخوانهم المجاهدين في الباغوز، والدفاع عن الإسلام في أحد معاقله الحصينة.

ولمن يتهمني بالمبالغة، أقول من الآن: إن هذا اللون من الخطاب بدأ يقدمه اليوم علانية، من دون أي رتوش، عددٌ من المشايخ ومنهم الشيخ وجدي غنيم الذي يطرح نفسه داعية وفقيهًا، ويحرص على الظهور، ويطل كل يوم أمام كاميرات التصوير بكرافتة حمراء، في إشارة إلى وعيه بشرط الحضارة الجديد وطقسه وشكله، ويتحدث كل يوم عن واجب المسلمين في كل مكان، في نصرة إخوانهم المجاهدين في (داعش) والنصرة، دفاعًا عن كرامة الإسلام والمسلمين.

ولديّ الآن نحو سبع قصائد كتبها شعراء مختلفون، تتحدث عن بطولات الباغوز وثباتها في وجه المشركين والملحدين، والمكر الصليبي للقضاء على حلم الخلافة الإسلامية الموعود.

ومع أنني لا أنكر أبدًا حجم التآمر الدولي في صناعة (داعش) ودعمها وتسليحها، فإنني لا أقلل أبدًا من أثر التعليم الإقصائي الذي تلقوه أو تلقاه زعماؤهم، في حلقات التكوين الفقهي والإعداد العقدي.

إننا نركب طاحون الرحى من جديد، وعلى الرغم من قسوة الدرس وهوله، فنحن نكرر أنفسنا ونجتر التاريخ قراءة وتمثلًا، وسنفعل ذلك مرات ومرات، طالما ظللنا نمارس الاختباء وراء أصابعنا، وظللنا نجبن عن الدخول إلى المنطقة المحرمة، في مناقشة مناهجنا وأفكارنا التي أفرزت هذا اللون من التطرف والجنون.

طالما أننا ندرس في مناهجنا قتل تارك الصلاة، فلا يجوز أن نعترض على قيام (داعش) والنصرة بجلد تارك الصلاة في محفل عام… لقد بدت أرحم من مناهجنا التي كانت وما تزال تدرِّس في مدارسنا الدينية قتل تارك الصلاة، ويتم إلحاقها بعبارة “هذه هي ثوابت الشريعة”!!

وكي لا أُتهم بالمبالغة، فإنني أذكّر بالفيديو الذي نُشر قبل شهور، وما زال يُشاهد بعشرات الآلاف على (يوتيوب) بعنوان: (حُكم تارك الصلاة) لصديقي الداعية السوري الطبيب الناعم والتربوي الهادئ والمهذب محمد خير الشعال، ويصرح فيه -صوتًا وصورة- بالنص التالي: (حكم تارك الصلاة على نوعين: من تركها كسلًا فإنه يستتاب وإلا قُتل حدًا، ومن تركها جحودًا وإنكارًا، فإنه يستتاب وإلا قُتل كفرًا)!

والفرق بين القتل حدًا وبين القتل كفرًا، أن الأول يُقتل فيُغفر له ويغسل ويكّفن ويدفن في مقابر المسلمين، أما الثاني فيُقتل ولا يغفر له ولا يغسل ولا يكّفن ولا يدفن في مقابر المسلمين!

وفي حواراتي في الأزهر، ضمن مجلس حكماء المسلمين، حين رفعتُ صوتي بالقول إن الأزهر الشريف أنجز تطورًا هائلًا في خطابه الإعلامي، ولكنه لم ينجز الشيء نفسه في خطابه المنهاجي، ولا نزال ندرس حد الردة، وهو قتل المرتد، وندرج في المرتد كل من أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، وهو حُكم يشمل العلمانيين القائلين بتحكيم البرلمانات بدل الفقه؛ كان رد الشيخ عباس شومان (وكيل الأزهر) ماحقًا، وقال بكل وضوح: “هذا ديننا، ومن لم يعجبه هذا الدين؛ فليخترع دينًا من عنده”. وانتهى الجدال.

ما تزال في خفايا الباغوز آلاف الأسئلة، ولن يستطيع المقاتلون الكرد الإجابة عن أي منها، فهم في الواقع خارج هذا الجدل كله، ولكننا نحن -البائسين- نعرف تمامًا من أين جاءت (داعش) بأدلتها وبراهينها وحججها، ونعلم تمامًا في أي قاعاتنا درّسناهم هذه الأفكارَ المدمرة، ونعلم تمامًا كيف سيتم إنتاج جيل آخر، من هذه الثقافة المشؤومة.

مؤسستان واضحتان في العالم الإسلامي هما مسؤولتان مباشرة عن مواجهة الثقافة الداعشية، ومنع تكرار التاريخ، هما (الأزهر) وما يمثله من ريادة للمناهج التعليمية في المدارس الشرعية في العالم الإسلامي، و(رابطة العالم الإسلامي) في مكة، وما تمثله من نفوذ الدولة السعودية وقوتها وتأثيرها في العالم الإسلامي.

إذا استطاعت هاتان المؤسستان أن تخترقا الخطوط الحمر، وتُصلحا فقه الجهاد والحدود والردة، وأن تمارسا شجاعة الحقيقة في وجه التاريخ الأسود، وتعلنا البراءة مما دوّنه فقهاء العنف في التاريخ الإسلامي، في هذه الأبواب تحديدًا، واستبدالها بدعم الشريعة للقانون الدولي تأسيسًا على منطق القرآن، في الإخاء الإنساني والتعاون الدولي وأن الناس خُلقوا شعوبًا وقبائل ليتعارفوا ويتكاملوا ويتشاركوا، لا ليتدابروا ويتطاحنوا ويتقاتلوا. عند ذلك وحسب؛ يمكن أن يحدث تغيير حقيقي في المشهد، وفي ما سوى ذلك ستبقى الجهود عاجزة كليلة، وسيكون تكرار دورة العنف هذه مسألة وقت، ولا أحد يدري حجم الطاقة المدمرة، في جولة العنف القادمة التي أرجو أن لا تكون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق