مقالات الرأي

الجولان: الجرح الذي ما زال يوحّد السوريين

ملامح نتنياهو، وهو يعقِّب على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بـ “سيادة إسرائيل” على الجولان السوري المحتل عام 1967، كانت تشي بفرح “تاريخي” عامر، وربما لم تضاهِها حتى ملامح اللورد ليونيل روتشيلد، حين تلقى رسالة وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور، المتضمّنة وعدًا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وها هو الرئيس ترامب، في أقلّ من عام، يقدّم الهدية الثانية إلى “إسرائيل”، بعد قراره السابق بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، مع ما يعنيه ذلك من الاعتراف بها كعاصمةٍ للدولة العبرية.

لم يوفّر نتنياهو، وهو الملاحَق باتهامات الفساد وسوء استخدام السلطة، هذه اللحظة التاريخية، وسيحمل الهدية الجديدة إلى الانتخابات المقررة في الشهر المقبل، علّها تسعفه في الفوز مرةً أخرى. وككل سياسي يدافع عن مصلحة بلده، سينسى نتنياهو همومه الشخصية، فالقانون هو القانون ولا خلاف عليه، أما مسألة الذين شرّدهم كيانه، وما زالوا يفترشون شتات الغربة حتى الآن، فأمرٌ آخر بالطبع، ويكاد يطويه التاريخ.

لم تتوقف “إسرائيل” منذ إعلانها ضمّ الجولان من طرفٍ واحد عام 1981، عن محاولة إقناع الآخرين بالاعتراف بقرارها هذا، ولم تفلح في ذلك، حتى إنّ إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان اليمينية رفضت الاعتراف بقرار الضمّ الإسرائيلي عام 1983. لكن “إسرائيل” استغلت الحال السورية المزرية في السنوات الأخيرة، للدفع في هذا الاتجاه مع حليفتيها القويتين في الساحة السورية: الولايات المتحدة وروسيا، وكان موضوع ضمّ الجولان حاضرًا، كبندٍ ثابت على هامش محادثات “إسرائيل” مع هاتين الدولتين، في هذه المرحلة، كما كانت تشير الأنباء من حينٍ إلى آخر.

مع ذلك، ليس ثمة ما يبرّر هذه السقطة المدويّة لرئيسٍ اختارته الديمقراطية الأميركية العريقة، وقد وصل الأمر بوزير خارجيته مايك بومبيو، إلى درجة الحديث عن أنّ “الربّ أرسل ترامب لحماية إسرائيل من إيران”، في استحضار للحظة تاريخية جديدة من الوئام اليهودي – المسيحي، وفي أجواء تخيّم عليها نشوة التفوّق والانتصارات، فضلًا عما ينجم عن هذا القرار الأميركي من نفخٍ في نار منظومة “المقاومة والممانعة” الخامدة، لتطلق مزيدًا من نيرانها الخلّبية على الأعداء.

تقلب هذه الخطوة الأميركية المعايير التي بُنيت عليها السياسات الدولية، بعد الحرب العالمية الثانية، في ما يتعلق بعدم الاعتراف بضمّ الأراضي عن طريق القوة، وتتناقض مع الموقف الأميركي المناهض لضمّ روسيا لجزيرة القرم الأوكرانية  بقوة السلاح، الأمر الذي كان أحد أسباب تأزُّم العلاقات الأميركية – الروسية، في السنوات الأخيرة. أما الحجة المتداولة حول أنّ هضبة الجولان مهمة لأمن “إسرائيل” فتبدو أكثر من سخيفة، في الوقت الحالي، وقد تجاوزت التقنيات العسكرية، ومن ضمنها الأسلحة الصاروخية وآليات الرصد من الجو، مثل هذه العقبات الطبيعية التي كانت تعوق التقدّم في الحروب التقليدية السابقة.

بالنسبة إلى السوري العادي، الذي لا يعرف من أين تأتيه الصدمات والضربات، فإن الغصة تكاد تخنقه، وهو مضطر إلى اجترار القهر مرةً أخرى، إذ إن سورية بأسرها أرض مستباحة للمحتلين والمتطرفين وسيّاح الحروب، وهي غارقة في تشظيها، بانتظار مشروع وطني طال انتظاره يعيدها إلى الحياة من جديد. مع ذلك، فإنّ الأمر الإيجابي، على هامش القرار، هو إجماع السوريين شبه التام على رفض الاعتراف الأميركي بضمّ الجولان إلى “إسرائيل”، على الرغم من حالة الانقسام التي يعيشونها تحت مختلف سلطات الأمر الواقع.

اللافت في ردات الفعل العالمية هو التصويت الذي حصل في “مجلس حقوق الإنسان”، وأكد أن الجولان سوريّة، بأغلبية 26 صوتًا مقابل 16 وامتناع 5 دول عن التصويت. في الواقع، تعدّ هذه النتيجة دليلًا على أن هوية الجولان السورية ليست أمرًا بديهيًا بالنسبة إلى عدد مهم من الدول، ومعظمها دول أوروبية، وأن ما قام به الرئيس ترامب ليس مجرّد خطوة معزولة في الفراغ. ويعدُّ ذلك مؤشرًا على أن الحقوق قد لا تصمد طويلًا، مع استمرار الحال السورية والعربية على ما هي عليه.

لا يقلّل شجب معظم دول العالم لهذه الخطوة، ولا خروج أصوات سورية من الجولان لتعبّر عن انتمائها إلى سورية في لحظة مفصلية، من خطورة هذا الاعتراف الأميركي، ولا يحول ذلك دون تحوّل واقع احتلال الجولان إلى حقيقةٍ دائمة، إن لم تُنتج التوافقات الدولية والإرادة السورية حلولًا لهذه المسألة في ظروفٍ جديدة.

ما سبق يجب أن يدفعنا إلى التفكير بأهمية تبنّي مشروع سوري متكامل، للخروج من حالة التشرذم والتشتّت، كرافعة سياسية طال انتظارها، بوسعها أن تضمن المستقبل السياسي للسوريين، قبل حدودهم، وذلك بأن تكون سورية دولة مستقلة خالية من الاستبداد الداخلي والاحتلال الخارجي، إذ إن قيام الدولة الحديثة التشاركية والديمقراطية هو الكابح الأهم للتعديات المستمرة على حدودنا وحرياتنا، ما يستوجب العمل بلا كلل في هذا الاتجاه، والتوقّف عن اجترار الحديث حول المؤامرات، والكفّ عن الصراخ في وجه العالم الذي صمّ أذنيه منذ وقتٍ طويل.

وبعيدًا من الأمنيات والأحلام، قد تتم استعادة الجولان بطريقة غير مباشرة على المدى الطويل، من خلال الاستفادة من الحلول والسياسات الاقتصادية المبتكرة التي قد تجد لها مكانًا في المستقبل؛ كأن يتحول الجولان إلى منطقة استثمار اقتصادية لقيام صناعاتٍ محدّدة، وتكون أفضلية التوظيف فيها لأهل الجولان، سواء من بقي منهم فيها أم من نزحوا عنها، بعد حرب 1967.

في كل الأحوال، لن يبقى شيء إلى الأبد، حتى العداوات القائمة، التي قد تجد لها تسوياتٍ بعد أن تتقادم وتتغير الظروف وآليات التفكير ذات الصلة، ومن حق الأجيال الجديدة أن تعيش بسلام، ولنا في ما آلت إليه بعض الصراعات الدامية الأخرى خير مثال، كما حصل للعلاقات الأميركية – الفيتنامية، بعد حرب أليمة ارتكبت فيها الولايات المتحدة أفظع الجرائم، وتحوّلت منذ عام 1995 إلى شراكة اقتصادية ناجحة، وعلاقات سياسية أقرب إلى التحالف بين الدولتين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق