أدب وفنون

الثقافة حاجة بيولوجية للأجيال

العلاقة بين الأجيال:

تُعدّ فكرة الأجيال، والعلاقات فيما بينها، الحجر الأساس في الفكر الذي يستعرضه لنا خوسيه غاسيت، في كتابه (موضوع زماننا) فيعرف كل “جيل” بأنه حساسية حيوية ناشئة في التاريخ، ويبيّن دور الأجيال في بناء الشعوب، فيكتب: “إذا أخذنا ارتفاع شعب من الشعوب، بجملته؛ فإن كل جيل من أجياله يمثل لنا لحظة من حيويته، ونبضة من قدرته التاريخية. وكل نبضة لها سماتها المميزة الفريدة، إنها خفقة ثابتة في سلسلة النبض، كما هي كل نغمة في تدفق لحن”.

ويوضح غاسيت أن كل جيل ينشأ يجد نفسه -من الناحية الثقافية- أمام وضعين: أولًا حتمية التعامل مع أفكار الجيل الماضي، وثانيًا ضرورة تطوير أفكاره الذاتية؛ “ذلك أن الأجيال تنشأ من بعضها البعض، بشكل يجد الجيل الجديد نفسه مع الأشكال التي أطلقها الجيل السابق إلى الوجود. فالحياة إذًا، بالنسبة إلى جيل من الأجيال، مهمة ذات بعدين: أحدها يكمن في تلقي ما عاشه الجيل السابق من أفكار وقيم ومؤسسات، والبعد الآخر في جعل خيارها الخاص يتدفق”.

بما أن لكل جيل ناشئ حيوية خاصة، كما يقول غاسيت، فإن على كل جيل الاضطلاع بدور تاريخي هو النشاط والفاعلية لأجل دعواته الخاصة، ويخيم على الأجيال الواجب الآمر القاسي في تطوير براعمها الداخلية، وتشكيل الوجود في ما حولها حسب رؤيتها. لكن هل هذه هي الحال التي تتم حقًا؟

“كلا”، هي إجابة المؤلف على هذا السؤال، وهو يوضح أن هناك أجيالًا مثل الأفراد، تنكص وتتقاعس عن دورها التاريخي، وتستسلم لما هو مقدم لها من إنجازات الجيل السابق، ويحذر الفيلسوف غاسيت من الخطر المحدق بالجيل المتقاعس، فيكتب: “في الواقع، هناك أجيال غير وفية لذاتها، تبطل القصد التاريخي المودع فيها. فبدلًا من أن تتصدى للمهمة التي حُددت لها مسبقًا، فإنها تفضل، وقد أصمّت آذانها عن أندية دعوتها الملحة، أن تستكين متقوقعة في أفكار ومؤسسات وملذات خلقتها أجيال سابقة، وتخلو من التشبه بطبعها. إن هذا النكوص من موقعها التاريخي لا يتم من غير عقاب. فالجيل الجاني على نفسه يتمرغ في الوجود في خلاف دائم مع نفسه ذاتها، وهو مخفق حيويًا”.

بالعلوم يمكن التنبؤ بالمستقبل:

للإجابة عن هذا التساؤل، يروي لنا المؤلف خوسيه غاسيت، كيفية رؤية الإنسان القديم للأحداث التاريخية: “إن تفسير الإنسان القديم للحياة التي كان يعيشها هو في الحقيقة إلغاء للتاريخ. فالوجود في نظره كان يكمن في أن أشياء تحدث له. والحوادث التاريخية كانت أخطالًا تنهال تباعًا. فإنتاج الأعمال العبقرية والأزمات المالية والتغيرات السياسية والحروب كانت ظاهرات من نمط واحد، يمكننا أن نرمز إليه بقرميدة تسحق عابر سبيل. وعلى هذا الشكل تكون العملية التاريخية سلسلة من المصائب، لا قانون لها ولا معنى”، إذًا، يعتقد الإنسان القديم بأن المعارف والأحداث التاريخية، هي معطى غير خاضع للتحليل السببي، ولكن ماذا عن زمننا المعاصر؟

يدرك الإنسان المعاصر أن الحياة سلسلة من الوقائع التي تخضع لقانون، ويؤيد غاسيت هذه الرؤية المعاصرة لتفسير الوقائع والأحداث التاريخية، إذ يقول: “إن الحياة هي سلسلة من الوقائع يدبرها قانون. ففي كل مرحلة من مراحل التطور، نجد المرحلة التالية قد تشكلت مسبقًا. إن الحياة البشرية هي عملية داخلية، لا تقع فيها الأحداث من الخارج على الذات، سواء أكانت فردًا أم شعبًا، وإنما هي كما يطلع من البذرة ثمر وزهر”.

إذًا، إن التنبؤ بالمستقبل ممكن، برأي خوسيه غاسيت، حين يتم الاتكاء على معطيات العلم، وفي ذلك يقول: “بكل اختصار؛ إن العلم الذي ينتج الآن هو الوعاء السحري، حيث يجب أن ننظر للحصول على لمعة من ملامح المستقبل. العلم ما هو إلا مثال أعلى، فعلم اليوم يصحح علم أمس، وعلم غد يصحح علم اليوم، فالعلم ليس واقعة تختتم في الزمن. فإن العلم الكامل والعدالة الحقيقية يتحققان فقط، كما كان يتصور كانط هو وعصره، في السيرورة اللامتناهية للتاريخ”.

وهنا يحرص المؤلف على إعطاء وصيته في بناء ثقافة المستقبل، وهي مساعدة وتشجيع الثقافات الصاعدة، على حساب الثقافات الرجعية أو الجامدة، ويقول: “ومن هنا، فإن المذهب الثقافي يكون دائمًا تقدميًا، لأن معنى وقيمة الحياة يوجدان دائمًا في غد أفضل”.

تاليًا، يحذر الفيلسوف غاسيت من الاستكانة إلى جاذبية الثقافات القديمة مثل (الدين، والعادات والتقاليد). ويكشف عن أساليب الجاذبية التي تمارسها الفلسفات القديمة على ثقافة الأجيال الصاعدة، فيصف هذه الجاذبية بالآتي: “الجاذبية التي تجذبنا بها فلسفات الماضي، هي إيجازها الواضح والبسيط، وسذاجة توهمها أنها اكتشفت الحقيقة كلها، وثقتها بأنها تستقر في صيغ تفترضها راسخة، تعطينا انطباعًا عن عالم منجز محدد ونهائي من غير مشاكل، وكل شيء فيه محلول”.

الثقافة حاجة بيولوجية:

من الأفكار المميزة التي جاءت بها فلسفة خوسيه غاسيت، في هذا الكتاب، الظاهرة البيولوجية للثقافة. فهو يخالف النظرة السائدة، سواء تلك التي تجعل من الثقافة حالة روحانية، أو تلك الأخرى التي ترى الثقافة مرآة للعقلانية. لا يقبل غاسيت أن تقتصر الثقافة على الجانب الروحاني أو العقلاني فحسب، بل يدافع، عما يميز رؤيته الفلسفية، بأن للثقافة جانبًا بيولوجيًا، وبذلك يجعل الثقافة جزءًا من الحاجات العضوية للإنسان.

يقول: “إن العدالة والحقيقة والاستقامة الخلقية والجمال هي أشياء لها قيم بحد ذاتها، وليس فقط بمقدار ما هي مفيدة للحياة”، إذًا للشعور بالعدل، ومعرفة الحقيقة والتفكير فيها، والإبداع الجمالي والتمتع به، معانٍ في ذاتها، ولها قيمة في ذاتها نفسها، ولو أصبحت مجردة من منفعتها للكائن الحي الذي يمارس تلك الوظائف.

يحثّ المؤلف في كتابه (موضوع زماننا) على مشاركة الأفراد في بناء الثقافات: “الثقافة تستمر في الحياة؛ ما دامت تتلقى دفقًا حيويًا مستمرًا من الذوات والأفراد، فإذا انقطع هذا الدفق وابتعدت الثقافة بنفسها، فإنها لا تلبث أن تجف وتصبح ميتة”. للثقافة إذًا، ساعة ولادة، وهي ساعتها الغنائية أو الشعرية، ولها ساعة تحجر وهي ساعة أفولها. هناك ثقافة وليدة وثقافة جاهزة من قبل. فمن الضرورة في عصور الإصلاح، كعصرنا، ألا نثق بالثقافة الجاهزة، وعلينا أن نشجع الثقافة الصاعدة. ففي مقابل الثقافة، علينا أن نشجع الصدق والذاتية والحيوية.

………………………………………..

* الكتاب: موضوع زماننا.

المؤلف: خوسيه غاسيت.

المترجم: علي إبراهيم الأشقر.

دار المدى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق