تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الجولان في الجيوبوليتيك و”صفقة القرن”

ليست هذه التغريدة الأولى من نوعها للرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تثير زوبعة من الضجيج الإعلامي والاستنكارات في المواقع الرسمية العربية؛ فمنذ عام تقريبًا، غرّد ترامب بشأن نقل سفارة بلاده إلى القدس، تمهيدًا لجعلها “عاصمة إسرائيل الرسمية”، في إشارة إلى ضرورة الاعتراف بسيطرة “إسرائيل” على الجولان السورية، وسيل البيانات الاستنكارية لم يتوقف بعد، وثمة من زاد في حدتها بالقول إن “جيش المقاومة في الجولان سيعمل على زلزلة الأرض، تحت أقدام بني يهود من الصهاينة الماسونيين راعيي الحرب والإرهاب ودمار سورية”! وإن كان في هذا الكلام شيء من حق؛ فهو أن أبناء الجولان رفضوا الهوية الإسرائيلية والتطبيع معها كقوة احتلال، وهو أصل الوطنية ومنبتها، وليس ذلك وحسب، بل أصابهم ما أصاب السوريين من فشل وطني وخذلان، بمعادلة حكم العسكر الذي لم يطلق طلقة على “إسرائيل” منذ أكثر من خمسين عامًا من الاحتلال.

تغريدة ترامب اليوم ليست اجتهادًا شخصيًا منه، ولا محض صدفة، بل تأتي ضمن سياق ما يسمى بـ “صفقة القرن” التي بدأت تتضح معالمها رويدًا رويدًا، ويمكن التنبؤ بمعالمها الأولى في ما يسمى بإعادة ترتيب أوراق المنطقة وخطوطها السياسية والجغرافية مرة أخرى، بما يتناسب وحجم القوى الموجودة فيها! ومفاد هذا بالضرورة عودة علوم الجيوبوليتيك، لأخذ دورها مجددًا في مساحات السياسة العالمية، بعد أن كانت قد توقفت نسبيًا منذ الحرب العالمية الثانية.

الجيوبوليتيك، الذي عاد بقوة اليوم للحضور العالمي على أرضية التوسع الروسي ومعادلاته في النظرية السياسية الرابعة، تلك التي تقوم على إيجاد المجال الحيوي التوسعي للدولة خارج نطاق جغرافيتها الطبيعة والسياسية الأولى، وهي تعتمد مفاهيم الهيمنة على الممرات البحرية والمائية والتواصل الإنتروبيولوجي بين الشعوب تاريخيًا بجذرها، مضافًا إليها اليوم، حسب منظرها الروسي ألكسندردوغين، ضرورة مواجهة التفوق والاستفراد الأميركي في المعادلة العالمية.

التدخل الروسي الفج والشائن في سورية، أعاد معادلات الجيوبوليتيك الشائنة في مستويات السياسة العالمية، وأجج نزعتي الهيمنة والبطش بالقوة المفرطة المترافقة مع سياسات الكراهية وتهديد السلم المحلي والعالمي، وإمكانية تقاسم النفوذ السياسي بين الدول العظمى، منعًا من احتكاكها العسكري الذي ينذر شرًا بالكوكب الأرضي عامة. وبالضرورة المشروع الروسي العام غايته التوسع عالميًا، على حساب الشعب السوري ودولته الوطنية، فكان أن ساق معه تثبيت التدخل الميليشيوي الإيراني وتعميمه في الأرض السورية، بعد أن كان مهددًا بقدرته على الثبات فيها، بحكم حجم قوة الثورة وتقدمها وقتها حتى عام 2015 لحظة تدخل روسيا عسكريًا فيها، وما أدى إلى:

  • إرساء معادلة الأخذ السياسي بالقوة وفرض شروطها باستبعاد القرار الوطني.
  • هدر المسألة الوطنية السورية وشرعنتها على مواقع تقاسم نفوذ متعدد الأطراف الدولية.
  • عودة الصراع المخفي العالمي للطفو على السطح بين قوى العالم الكبرى، من خلال سورية بشكل رئيسي، وبالضرورة بحث كل منها عن مساحة أوسع لها في محيطها الحيوي، أو ما يسميه الأميركيون والإسرائيليون “الأمن القومي”، وهو ما يشكل أساسًا لطبيعة التفاهم الإسرائيلي الروسي، كما الروسي الأميركي، على نوعية المبادلات في قطع الأرض السورية، ولاقتناص أميركيا الفرص المتتالية لتثبيت الدولة الإسرائيلية بعاصمة القدس، كما تثبيت سيطرة وضم الجولان لها، وربما لن تقف المسألة عند هذا الحد، فلم تزل معادلة الوجود الإيراني في الجنوب السوري، كما التركي في شمالها، محط بازار جيوبولتيكي أقل ما يوصف به أنه “عهر تاريخي”.
  • تقويض الدولة الوطنية الممكنة التي تقوم على دستورية العلاقات الداخلية والحقوقية وتشريع الحريات العامة، واسترداد الدولة من قوى العسكر والهيمنة، كما تقوم على معادلة الاستقرار العربي والإقليمي والالتزام بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان وعدم تهديد السلم الدولي.

وهذا غيض من فيض مما فعلته السياسة الروسية المدعومة بحلفاء الأرض من قوى وميليشيات طائفية أكلت البشر والحجر، لتصبح تغريدة ترامب اليوم نتيجة جيوبولتيكية، قدمت لها السياسة الروسية بتفاهم روسي أميركي، والمستفيد الوحيد منها “إسرائيل” في عمقها الحيوي، في بحثها عن محيط آمن في معادلة الجيران والتوسع التدريجي.

لا شك في أن “إسرائيل” دولة توسعية، قامت على سياستي التهجير والتوسع الاستيطاني، لكنها ليست الوحيدة في ذلك، بل أتت روسيا اليوم وإيران، بشكلها المتغول عسكريًا، بالنهج ذاته في ما فعلته في سورية، ومن قبله ما فعله الأميركيون والإيرانيون في العراق، مع مفارقة وحيدة أن القومجيين العرب هم من استقدموا روسيا وإيران، ومهدوا لهم الطريق في ذلك، وما زالوا يستنكرون في بياناتهم الغطرسة العسكرية الأميركية والإسرائيلية وفجاجة الطرح بضم الجولان! يا للعجب، أو ليس من عاقل يقول اليوم ألا يكفينا شعارات رنانة وطمس هوية وطنية وسحق وجود انساني؟ ألا يكفينا حجم الهزائم المتتالية التي مني بها العرب بشكل متتالي في 1948، 1967، 1973، 1982، 1993، 2003، ومنذ 2015 إلى اليوم؟ ولكن ربما من يقول إنها المؤامرة! وما أدراك ما المؤامرة يا سيدي؟ إنها الماسونية العالمية! نعم سأوافق، وكل عاقل فينا سيوافق على أنها الماسونية العالمية، لكن هل تصرون على استبعاد روسيا وإيران منها؟ إنه لعجب عجاب، بل إنه ذات المعنى في موافقتكم على بيع المتبقي من هذا الوطن الكليم بأرخص الأثمان، ألا وهو كرسي حكم!

ما لم يدرك العربُ، والسوريون حصرًا، أن معادلة السلام العادل هي معادلة الدولة الوطنية أولًا، لا معادلة حكم العسكر وسطوة البعث القومجية، وأن معادلة السلم الإقليمي هي معادلة الحقوق والعيش الكريم بين دول الجوار، لا معادلة الشعارات الرنانة وابتزاز المشاعر الوطنية مقابل حفنات من المال الحرام، وأن معادلة التحرر الوطني واستعادة الجولان هي معادلة السياسة الوطنية في ذاتها ولذاتها، لا معادلة القوة العسكرية ومعادلات الجيوبولتيك الشائنة وتقاسم النفوذ؛ فسيذهب هذا الوطن قطعة خلف قطعة، وسنعود بعد خمسين عامًا أخرى لنندب ونهدد ونرعد ونزبد من فمنا فحسب، بينما تلة الجماجم وبحر الدماء في اتساع متزايد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق