مقالات الرأي

إعادة الإعمار بين أوهام النظام والحل السياسي

منذ أيام، سألتُ أحد الأصدقاء في سورية، عن رغبته في إعادة تأهيل مشروعه الزراعي الشخصي في قريته، وهو مشروع لا تزيد تكلفته الإجمالية عن بضعة آلاف من الدولارات، فكان جوابه: “لا أستطيع القيام بذلك حاليًا، فما زال من عفَش البنية التحتية للمشروع موجودًا ومسيطرًا، كسلطة أمر واقع”. ويقصد ميليشيات ما يسمى “الدفاع الوطني” وغيرها، ويُفهم من موقفه، بلغة سياسية، أنه لن يقوم بذلك دون أن يرى استقرارًا أمنيًا ومجتمعيًا في سورية.

من هنا، ارتأيتُ أن يكون هذا الحوار البسيط مدخلًا للحديث عن أوهام النظام السوري، بحديثه اليومي عن مشروع إعادة الإعمار على مدار الساعة.

منذ أن كان النظام السوري يدكّ المدن السورية بالطيران والمدفعية، ويدمر المنشآت الصناعية والتعليمية والطبية والمرافق الحياتية، في المدن والبلدات الثائرة ضده، كان يتحدث عن إعادة الإعمار ويقيم الندوات والمؤتمرات العلمية، كل بحسب اختصاصه، من وزارة التعليم العالي عن “دور الجامعات في إعادة الإعمار”، إلى وزارة الأوقاف عن “دور الدين في إعادة الإعمار”، وهكذا الوزارات والمؤسسات الأخرى تبعًا لمجال اختصاصها.

في الواقع، لا يمكن الحديث عن إعادة الإعمار إلا ضمن خصائص المجتمع السوري المعني بالمشروع، الذي من المفترض أن يكون جانبًا رئيسًا من سياسة تنموية سورية شاملة أولًا، ومن المفترض أن تحدث إعادة الإعمار في سياق مجتمعي، له هياكل مؤسسات اجتماعية وقيم وسلوكات جمعية تفترض وجود منظومة معايير ومنظمات مؤسساتية، تدفع باتجاه تنفيذها على أرض الواقع، من خلال تمكين أفراد المجتمع كافة، للوصول إلى أقصى استثمار اجتماعي ممكن.

على أرض الواقع، نرى أن النسق الأمني الاستبدادي الأسدي ما زال هو المسيطر المطلق على بنية المجتمع السوري ومؤسساته كافة، وقد قضى على أبسط حقوق المواطنين في المشاركة الفعالة في قضايا بلدهم، وأنتج ذلك حالةً من العطالة لفاعلية المواطنين السوريين، من خلال إقصاء المواطن السوري عن المشاركة الفعلية في رسم سياسة بلده السياسية والتنموية، وهناك إجماع على توصيف القطاعات الخدمية والإنتاجية الحكومية والخاصة (المشافي، المدارس، الكهرباء، الماء، الهواتف، المؤسسات الإنتاجية… إلخ) بأنها مدمّرة ومنهارة، وما يزال إعلام النظام الخشبي يتحدث، عبر الندوات والمؤتمرات العلمية، عن عملية إعادة الإعمار في سورية!!

إن إعادة الإعمار تحتاج، قبل أي شيء، إلى تفعيل الحياة السياسية والاجتماعية وإعادتها إلى مسارها السليم، وتحديدًا من خلال تغيير بنية النظام السياسي السوري، من بنية أمنية استبدادية إلى بنية مؤسساتية ديمقراطية؛ فالمواطن السوري لا يمكن أن يكون فاعلًا ومشاركًا في بناء وطنه من دون أن يشعر بإنسانيته ومواطنيته، ولن يحصل هذا الأمر في ظل نظام أمني يمارس الإرهاب تجاه مواطنيه، فالأعمال الإرهابية التي مارسها النظام تجاه السوريين تُعدّ واحدة من أهم العوامل التي أدت إلى تراجع مؤشرات التنمية البشرية في سورية، التي يمكن قياسُها من خلال غياب وتغييب حقوق الإنسان السوري الأساسية، فالمجتمع السوري ما زال يشهد عمليات عنف مسلح أو عمليات إرهابية، من قبل النظام وبعض التنظيمات الإرهابية الأخرى، حيث يزداد قتل السوريين الأبرياء، وترتفع نسبة المهجرين قسرًا لتصل إلى نصف سكان سورية تقريبًا، وتزداد يوميًا نسبُ الجريمة والابتزاز الأمني، وينعدم الأمان، وترتفع نسب البطالة وهجرة العقول والكفاءات والنخب العلمية والثقافية، من جراء عمليات الاعتقالات التي تمارسها المؤسسات الأمنية ضدهم، وقد بلغت نسبة أساتذة الجامعات خارج سورية 60 بالمئة حتى آخر إحصائية لعام 2008، وتفشى الفساد في معظم مؤسسات الدولة، بسبب غياب مؤسسات رقابة الدولة لانشغالها بالتعفيش، ومن الطبيعي أن تخلق كل هذه الوقائع بيئة مجتمعية سورية غير آمنة للتنمية الشاملة، وإعادة الإعمار، وبيئة طاردة لأي استثمار تنموي محلي، عربي أو دولي.

على الصعيد الدولي، تؤكد التقديرات الدولية أن تكلفة إعادة الإعمار في سورية تحتاج إلى 400 مليار دولار، فهل من المعقول أن تخاطر الشركات والمؤسسات الدولية ورجال الأعمال السوريون في الخارج والأجانب، بهذه المبالغ، في ظل نظام استبدادي غير مستقر، واقتصاد سوري منهار ومؤسسات معطلة، وسوق عمل ضعيفة، وعدم توفر الطاقة الإنسانية اللازمة؟!

الجواب واضح وصريح في المواقف الأميركية والأوروبية، من تصاعد العقوبات الاقتصادية تجاه شخصيات ومؤسسات اقتصادية لها علاقة بالإعمار، إضافة إلى قانون الكونغرس الأميركي الذي يربط الإعمار بالحل السياسي المتزامن، وأخيرًا مؤتمر بروكسل 3، الذي عُقد بتاريخ 12 – 13 آذار/ مارس 2019 بضيافة الاتحاد الأوروبي حول دعم مستقبل سورية بحضور 78 وفدًا من معظم دول العالم، حيث أعلن قرارات واضحة بخصوص إعادة الإعمار في سورية، ربطها بالحل السياسي المستند إلى قرار مجلس الأمن 2254، وبيان جنيف لعام 2012. وهي تشترط للبدء بإعادة الإعمار إيجاد حل سياسي مقبول من الدول الفاعلة في سورية كافة، وبالتالي حصول تفاهمات دولية بخصوص توزيع المشاركة الدولية في إعادة الإعمار. وبالتالي عدم إمكانية الانطلاق بمشاريع إعادة الإعمار من قبل روسيا وإيران، كما يحلو للنظام السوري ومواليه، من دون مشاركة الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا ودول الخليج العربي وغيرهم.

هذا الحل السياسي القائم على تفاهمات دولية، من المفترض أن ينتج عنه تحقيق الأمن المجتمعي الذي يزيح هيمنة النسق الأمني على المؤسسات السورية كافة، وبالتالي الحد من التوتر والصراعات ذات الطابع ما قبل الوطني بين أفراد المجتمع السوري، وأن يتعزز الشعور بالمواطنة والهوية السورية، فتخلق المناخ الاجتماعي القادر على جذب رؤوس الأموال الوطنية أولًا والدولية ثانيًا، في عملية إعادة الإعمار، التي من المفترض أن ينتج عنها -استراتيجيًا- تحقيق الأمن الاقتصادي أي التخفيف من حدة الفقر، من خلال توفير فرص العمل في القطاعين الحكومي والخاص، ودعم شبكات الحماية الاجتماعية بشكل يعطي الأولويات للفئات المتضررة من العمليات الحربية، وكذلك تحقيق الأمن السياسي، من خلال إعطاء السوريين حقوقهم السياسية كافة، وسيادة القانون على الجميع دون تمييز، واعتماد سياسة جنائية وقائية علاجية بدلًا من السياسة العقابية الصارمة، وبالتالي تحقيق الأمن المجتمعي، من خلال تشجيع المواطنين على أهمية التعاون مع الجهات الرسمية، من أجل مكافحة الإرهاب، وخلق بيئة إيجابية بين المواطن وأجهزة الدولة، ونجاحها يتوقف على تعزيز وبناء الثقة بين الطرفين، لأنها أهم نقطة للقضاء على الإرهاب ونتائجه.

أما الحديث عن إعادة الإعمار قي سورية، كما يحلو لخبراء ندوات ومؤتمرات إعادة الإعمار التي يرعاها النظام السوري، من دون تحقيق المتطلبات السياسية الخاصة بالحل السياسي، فهو حديث الواهمين بأبسط متطلبات السياسات التنموية، إلا إذا كانت رؤيتهم لإعادة الإعمار ترتبط بإعادة تأهيل النظام الأسدي ومنظومته الأمنية، والقيام بإعادة تماثيل الأسد الأب، وبناء بعض المشاريع الإعمارية التي تشبه عشوائيات عش الوروار والسومرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق