تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

درعا.. صراع الأمن العسكري والمخابرات الجوية يعكس صراع الولاءات

لم تتمكن روسيا، وهي الضامن لاتفاق التسوية في جنوب سورية، منذ تموز/ يوليو الماضي حتى اليوم، من الإيفاء بالتزاماتها بمنع التمدد الإيراني والميليشيات التابعة لإيران، حيث استغلت هذه الميليشيات، وعلى رأسها “حزب الله”، ضعف النظام السوري من جهة، وخضوعه لها من جهة ثانية، كي تتمدد على نطاق واسع وبأساليب مختلفة.

بدأ “حزب الله”، مدعومًا بإيران، العمل بسريّة منذ سيطرة النظام السوري على درعا، واعتمد بالدرجة الأولى على استقطاب عناصر فصائل المصالحة، وتجنيدهم تحت مسميات مختلفة، منها ما يتصل بالحزب مباشرة، ومنها ما هو مستقل بالاسم فقط، لكنه مرتبطة فعليًا بالحزب.

أكد مصدر خاص لـ (جيرون) أن (حزب الله) نجح في تجنيد ما لا يقل عن 2800 شاب من أبناء محافظة درعا، يتوزعون في مناطق مختلفة، منها (صيدا، الغارية الشرقية، درعا البلد، كحيل، غصم، المسيفرة، الحراك، مسيكة، إيب، حوش حماد)، مشيرًا إلى أن “عدد العناصر في كل منطقة يراوح بين 150 – 250 عنصرًا. غير أن أكبر تجمع لهم يوجد في مدينة (إزرع)، ويُعرف باللواء 313، ويبلغ عددهم نحو 800 مقاتل، وقد تمّ تدريبهم من قبل عناصر (حزب الله)”.

وأشار المصدر إلى أن “هؤلاء العناصر المجندين يتقاضون رواتب شهرية تبلغ 250 دولار للعنصر، و500 دولار للقادة. حيث يعملون مدة 15 يومًا في الشهر، ويقضون 15 يومًا في منازلهم، فضلًا عن التسهيلات الممنوحة لهم في كل دوائر النظام، وحملهم بطاقات تعريفية خاصة، تؤمن حمايتهم من أي اعتقال من أجهزة النظام الأمنية”.

صراع بين الأمن العسكري والمخابرات الجوية

يدور صراع غير معلن، بين الأمن العسكري التابع فعليًا للروس، والمخابرات الجوية التابعة لإيران و”حزب الله”. وبرز ذلك بوضوح، في أثناء زيارة اللواء جميل الحسن (مدير إدارة المخابرات الجوية) لدرعا قبل عدة أشهر، ثم زيارة اللواء محمد محلا (رئيس شعبة المخابرات العسكرية) الشهر الماضي للمحافظة، حيث حض كل منهما شباب المحافظة على الانخراط في الجهاز الذي يرأسه. تلا ذلك رسالة من محلا لأبناء مدينة درعا، بعد نصب تمثال حافظ الأسد الجديد، تدعوهم إلى “وقف التظاهرات والكتابات على الجدران”، وتهدد بأن “القيادة سوف تعيد السلطة الأمنية للمخابرات الجوية، بقيادة العقيد قصي ميهوب، المعروف بتنكيله بأبناء المحافظة في بدايات الثورة”.

وبالفعل، تم إرسال عناصر من المخابرات الجوية، يرافقهم عناصر من “حزب الله” إلى مدينة درعا، في الثامن عشر من الشهر الحالي، بعد تظاهرات الذكرى الثامنة للثورة، حيث كان من المفترض أن يقوموا باقتحام حي درعا البلد، وتنفيذ حملة اعتقالات في صفوف من خرجوا في التظاهرات.

وكخطوة استباقية لهذا العمل، أكد أحمد مسالمة، من نشطاء درعا البلد، لـ (جيرون) أن “عناصر من فصائل المصالحات، ممن انتسبوا إلى الأمن العسكري، أقاموا حاجزًا أمنيًا يفصل درعا البلد عن درعا المحطة، بأمر من العميد لؤي العلي (رئيس فرع الأمن العسكري)، وبقيادة قيادي معارض سابق يدعى شادي بجبوج”.

وأشار مسالمة إلى “أن العميد العلي لا يرغب في دخول المخابرات الجوية إلى المنطقة، لأنه يعلم أن ذلك سيعيد إشعال صدامات جديدة، خاصة أن عناصر الفصائل ما يزالون يحتفظون بأسلحتهم”، مدللًا على ذلك بأن “العلي وضع فصيلًا من عناصر المصالحات، بقيادة المدعو مصطفى الكسم، الذي انضم بعد التسوية إلى الأمن العسكري، في جمرك درعا – الرمثا القديم، لتكون هذه المنطقة تابعة للأمن العسكري، وبالتالي للروس الذين يرغبون في تكريس التهدئة في المحافظة”.

اعتقال قيادات محلية تابعة للطرفين

منذ نحو 10 أيام، قام الأمن العسكري في درعا، باعتقال القيادي التابع لـ “حزب الله” والمخابرات الجوية: رأفت النحاس، وأُخفي مدة أسبوع، ثم تمّ تسليم جثته إلى ذويه، وعليها آثار تعذيب شديد. وذلك وفق ما ذكر الناشط الإعلامي أحمد العلي لـ (جيرون).

وينحدر النحاس من بلدة عتمان في ريف درعا، وكان يقود فصيلًا يدعى (حركة صدق وعده)، واشتهر بارتكابه العديد من الجرائم، إضافة إلى علاقته بـ (جيش خالد بن الوليد) المبايع تنظيم (داعش)، ثم عمل لمصلحة المخابرات الجوية و”حزب الله”، بعد اتفاق التسوية في الجنوب.

وأضاف العلي أن “المخابرات الجوية لم تتأخر بالرد، حيث قامت دورية تابعة لها باعتقال محمد عبد السلام المصري (القيادي السابق في قوات شباب السنة) يوم الثلاثاء الماضي في دمشق، على الرغم من حمله بطاقة تسوية وانتسابه إلى (الفيلق الخامس) الروسي في ريف درعا الشرقية، وعلاقته الوطيدة بالأمن العسكري. إلا أن الروس ضغطوا على المخابرات الجوية للإفراج عنه، وقد أفرج عنه في اليوم التالي لاعتقاله. وينحدر المصري من بلدة الحراك في ريف درعا الشرقي، وكان قد ظهر في صورة في مطار حميميم بجانب طائرات روسية، قبل عدة أشهر.

وليس بعيدًا من ذلك، أكد عدد من الناشطين، أن خطر الاعتقال يمكن أن يهدد أي مدني أو ناشط، وإن هو قام بعمل تسوية. وفي ذلك، قال عبد الرحمن الحوراني، الناشط الإغاثي سابقًا في ريف درعا، لـ (جيرون): “تم استدعائي للتحقيق من قبل المخابرات الجوية وأمن الدولة، على الرغم من أني أجريتُ تسوية بعد الاتفاق في درعا”.

قرر الحوراني الخروج من درعا إلى الشمال السوري خوفًا من الاعتقال، وتمكن من الوصول، بمساعدة أحد قياديي المصالحات المرتبطين بالمخابرات الجوية، إلى مدينة إدلب، بعد أن دفع 2000 دولار، ومن ثم استطاع الخروج -بمساعدة أحد المهربين- إلى تركيا، حيث يقيم الآن في أنقرة.

من جهة ثانية، أكد الناشط محمود المصري لـ (جيرون) أن “تسهيل خروج الشباب، وبخاصة المثقفين، من محافظة درعا إلى الشمال السوري، أسلوب يتبعه (حزب الله) لإفراغ المحافظة من هؤلاء الشباب، والإبقاء على مَن يعتقدون بأنه قد ينخرط في صفوف الحزب أو الميليشيات التي يقوم بتشكيلها، لبسط نفوذه على الجنوب السوري، وتحويله إلى منطقة شيعية، وجعله ممرًا لعبور المخدرات التي يقوم الحزب بتصنيعها في بعلبك اللبنانية، وينقلها إلى الجنوب السوري، عبر طرق تمر من محافظة السويداء ومنها إلى منطقة اللجاة، وصولًا إلى مناطق عديدة، منها بلدة (خراب الشحم) القريبة من الحدود الأردنية، التي تعتبر من مراكز تجارة ما يعرف بالحشيش البعلبكي، الذي يباع الكيلو غرام الواحد منه في درعا، بمبلغ 275 ألف ليرة سورية.

يذكر أن حوادث عديدة وقعت في درعا، بينها اغتيالات طالت عناصر في الأمن العسكري، وآخرين في المخابرات الجوية، وأشخاص تابعين لـ “حزب الله”، وهي تُظهر مدى تطور الصراع بين الروس والإيرانيين بشكل رئيسي، للسيطرة على هذه المنطقة التي تعتبر بوابة سورية إلى الأردن والخليج العربي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق