كلمة جيرون

ماذا ستفعلون بهم؟

يقول الأميركيون إنهم سيُطلقون آلاف الدواعش الأسرى، إن لم تستعدهم دولهم، ويرفض الأورببيون استرداد تلك القنابل الموقوتة، ويترددون بخوف شديد في استقبال زوجاتهم وأطفالهم، وبعضهم قرر أنه لا يريد ذلك. والحديث هنا عن آلاف المقاتلين المتطرفين المنفلتين من عقال العقل والدين والمنطق والأخلاق، وعشرات الآلاف من أسرهم.

وسط هذه “المعمعة”، لم يتحدث أحد عن مصير آلاف الدواعش السوريين، دواعش (داعش) ودواعش النظام، الإرهابيين المتطرفين، ممن صار القتل عندهم شيمة، والتدمير عملًا وطنيًا أو دينيًا. والحديث هنا عن مئات الآلاف من غير السوريين، ممن يُشكّلون خطرًا على سورية وغيرها.

يقول بعض المتشائمين: إن الحرب السورية أنتجت بشرًا يعانون أمراضًا نفسية جمّة، ويقول البعض إن خمسين سنة من حكم نظام عسكري شمولي تمييزي أنتجت شعبًا مريضًا نفسيًا، نظام لا أخلاقي نخر العقول وخرّب الأخلاق وأفقد البشر توازنهم. وإن كان الأمر كذلك، فما مصير هؤلاء الذين غرقوا في الدم، وتلوثت أيديهم به حتى آباطهم، من النظام وميليشياته، ومن التنظيمات الإرهابية الأخرى، ممن منحوا أنفسهم حقًا ربانيًا بقتل البشر، حتى على الشبهة.

ليست المشكلة فقط، هي ماذا سيفعل السوريون بمقاتلي ميليشيات النظام الذين امتهنوا القتل واستسهلوه، من المرتزقة والشبيحة والميليشيات وشذاذ الآفاق، ولا ماذا سيفعل السوريون بمقاتلي (داعش) وغيرهم من الإرهابيين القتلة، بل المشكلة التكميلية هي ماذا سيفعلون بعائلاتهم وأطفالهم، الذين تشرّبوا أفكارًا وأخلاقًا وأيديولوجيات غير سويّة ولا إنسانية، ولا تعرف قيمة للعدل والحق والقانون، وتعتقد أنها فوق الدولة والدستور، وفوق الشرائع السماوية والأرضية!

ليس الأمر سياسيًا ولا أمنيًا فحسب، بل هو اجتماعي بالدرجة الأولى، وخطير من الدرجة الأولى، وبحاجة إلى دراسات ورعاية واهتمام خاص، حيث إن أعداد من يحتاج إلى تأهيل نفسي جذري وشامل، كبيرة، وتأهيلهم يحتاج إلى مقدرات أكبر بكثير مما تحتاج إليه عملية إعادة الإعمار المادي.

يُقال دائمًا: إن الاستثمار في البشر هو أفضل وأنجح استثمار، فهل سيستثمر السوريون في هؤلاء ويُعيدون تأهيلهم، أم سيرمونهم إلى التهلكة؟ وهل سيقبلون بهم في المجتمع، أم سيقررون أنهم خطر على هذا المجتمع وقنابل موقوتة ميؤوس منها؟ وهل سيقبل السوريون بأطفال (داعش) وأطفال الشبيحة، أم أنهم سيكونون منبوذين، وسيُتركون للريح ولذئاب الإرهاب المتربصين؟ وما هو مصير العائلات، هل ستبقى متهمة كأربابها؟ وهل سيقبل هؤلاء الانخراط والاندماج بالمجتمع السوي السليم؟ وكم من السنين أو العقود يحتاج الأمر؟ وكيف سيتم هذا التأهيل والاندماج وإعادة بناء العقل والأخلاق والقناعات؟

ألف سؤال يمكن أن يقفز في وجه السوريين، حول هذا الأمر، ومن الخطأ أن لا تكون هناك إجابات، فالإدارة السليمة للجماعات والبشر والدول تقتضي البحث عن إجابات وحلول للأزمات الكبرى، حين بروزها، لا انتظار نتائجها الكارثية لبدء الدراسة واقتراح الحلول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق