سلايدرقضايا المجتمع

عن بيان احتفالية النصر على (داعش)

ضمن احتفالية خاصة، أصدرت ميليشيا “قوات سوريا الديمقراطية”، السبت 23 آذار/ مارس، بيانًا أعلنت فيه “تدمير ما كان يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، وإنهاء سيطرتها الميدانية في آخر جيوبها في منطقة الباغوز”، بحسب لغة البيان. وقد جاء هذا البيان بعد نحو أسبوع من انتهاء معركة السيطرة على مخيم بلدة الباغواز، في أقصى ريف دير الزور الشرقي، حيث تجمع آخر مقاتلي تنظيم (داعش) في ما بدا أنه آخر معركة يخوضها الموقن بخسارته.

لكن التنظيم، الذي نجح في تلطيخ وجوه أعدائه، بدماء آلاف المدنيين الذين قضوا في قصف التحالف الدولي للمخيم المذكور قبل خمسة أيام، لم يُظهر أي ردة فعل. وهذا يعني احتمال انتهائه فعليًا، على المستوى التنظيمي، أو انتقاله إلى أسلوب عمل مختلف، في ما تبقى له من بقاع انتشار في البادية السورية.

ومن شبه المؤكد أن التنظيم خسر، في معاركه الأخيرة في منطقة الباغواز، معظم مقاتليه الأيديولوجيين، فيما تسرّب وفرّ من أرض المعركة آخرون، من مقاتليه الذين يحملون أفكارًا ودوافع مختلفة ومتباينة، استفادوا من الفساد في أجهزة ميليشيا (قسد) الذي سهّل أمر وصول الكثير منهم إلى تركيا، ومناطق من الشمال السوري.

مع ما حفل به بيان (قسد) من تناقضات وركاكة لغوية وأسلوبية، فقد حمل رسائل سياسية إلى النظام السوري وتركيا، مضمونها الدعوة إلى الحوار. حيث دعا البيان “الحكومة المركزية في دمشق [إلى] البدء بخطوات عملية، للوصول إلى حل سياسي، على أساس الاعتراف بالإدارات الذاتية المُنتخبة… والقبول بخصوصية قوات سوريا الديمقراطية”، بحسب نص البيان. كما دعا تركيا إلى “الكف عن التدخل في شؤون سوريا… والخروج من الأراضي السورية، وفي مقدمتها عفرين، واعتماد الحوار”.

أجملَ البيان كلّ القوى التي اشتبك معها تحت عنوان “تنظيمات السلفية الجهادية”، إذ قال إن “قواتنا ألحقت الهزيمة بإرهابيي تنظيم القاعدة وملحقاته… بإمكانياتنا الذاتية المتواضعة… عامي 2012 و2013″، في إشارة إلى معارك جرت بين “وحدات حماية الشعب” الكردية، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وفصائل سورية متنوعة، في الحسكة والرقة وحلب، بعد اندلاع الثورة السورية.

إلّا أن جوهر البيان -في ما يظهر- يتركز في النقطة الأخيرة التي تشير إلى استمرار “حربنا ضد إرهاب داعش… حتى تحقيق النصر الكامل والقضاء على وجوده بشكل كليّ”، الأمر الذي طرحه البيان بوصفه “بدء مرحلة جديدة في محاربة إرهابيي داعش… المتمثل في خلاياه النائمة”. هذه المرحلة رآها البيان عبر “الاستمرار في حملات عسكرية وأمنية دقيقة، بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي”. وهذه النقطة تشير إلى رغبة الطرف الكردي، على الأقل، في استمرار دوره الذي يبدو أن انتهاء تنظيم (داعش) واحتمالات الانسحاب الأميركي، يمكن أن ينهيه، أو يحدّ منه على الأقل، بما يُفقد هذه الميليشيا “الخصوصية” التي أرادت من نظام دمشق أن يأخذها بعين الاعتبار.

تأتي خصوصية “قوات سوريا الديمقراطية” من ثلاثة عناصر متداخلة ومتشابكة؛ أولها هو تكوينها البشري من أكراد ينتمون إلى جنسيات مختلفة، سورية وعراقية وتركية وإيرانية، وانطلاقًا من هذا التكوين، يرغب القوميون الأكراد في أن تعمل هذه القوات على إقامة كيان كردي مستقل على التراب السوري، كمقدمة لربطه بإقليم كردستان العراق، وربما بكيانات كردية أخرى في تركيا وإيران، في المستقبل. وهذا الدور المأمول، الذي يريد القوميون الأكراد أن يتطابق مع مشروع محاربة تنظيم (داعش) أي أن يكون الكيان الكردي المستقل في سورية مكافأة للأكراد، على حربهم ضد تنظيم (داعش). أما العنصر الثالث، إضافة إلى التكوين البشري والدور المأمول، فهو الغطاء الدولي الذي حصلت عليه هذه القوات، خلال السنوات الخمس الأخيرة، بعد أن تحولت إلى قوة أرضية للتحالف الدولي المناهض لتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

البيان أورد أيضًا حصيلة خسائره البشرية التي حددها بـ 11 ألف قتيل و21 ألف مصاب. لكنه لم يُشر قط إلى حجم الخسائر البشرية، في صفوف المدنيين الذين دفعوا الثمن الأكبر في الحرب على (داعش)، كما تجاهل الكلفة الهائلة من الدمار الذي سببته هذه الحرب، في مدن العرب السنّة، في مناطق الجزيرة السورية.

ما من شك في أن انتهاء سيطرة تنظيم (داعش) بوصفه قوة عسكرية منظمة، يُشكل منعطفًا مهمًا، على صعيد الصراع الجيوسياسي في سورية وعليها، لكن يصعب تصور أن تكون هناك خاتمة لهذا الصراع. الأرجح أن صفحة جديدة منه، بمفردات وأدوات جديدة، ستتشكل وتبدأ الفعل في مستقبل غير بعيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق