مقالات الرأي

في انتظار الـ “هاشتاغ”

مرت الثورة السورية بمراحل عديدة، حتى وصلت إلى الحال التي وصلت إليها الآن، حيث بات اليأس يغلب على جمهورها، وخاصة بعد أن فقدت كل مقومات البقاء والاستمرار، وإن كان الأمر لا يخلو من فيض أمل، مبعثه أن الثورات تنتصر، طال الزمن أم قصر، وهذه حقيقة تاريخية لا ينبغي إغفالها أبدًا، وخاصة أن المسارات الثورية لا تشبه -بأي وجه- مسارات الحروب والصراعات على السلطة. طبعًا الثورة السورية، كما جميع الثورات التي سبقتها، تحولت إلى حروب، لا حرب واحدة، و بدا أنها -في شكل من أشكالها- أخذت طريق صراع على السلطة، بين طرفين أو أطراف عدة. لكن المرحلة الأكثر تميزًا وحضورًا، في مشهدية هذه الثورة المستمرة بتعثر شديد، بل قد تكون المرحلة الوحيدة الباقية في الأذهان، والتي تؤرخ لعمل ثوري سلمي حقيقي، لا تشوبه شائبة، هي مرحلة التظاهرات الأسبوعية، التي كان يوم الجمعة ميدانها المفضل، لا لأسباب دينية، كما ذهب بعض المفسرين، كالشاعر السوري أدونيس مثالًا، ولكن السبب -باعتقادي- كان اقتصاديًا، فيوم الجمعة هو يوم عطلة، وهو لا يسبب تعطلًا للمصالح والأشغال، سواء العامة أم الخاصة، ويمكن إضافة صلاة الجمعة التي توفر ملتقًى للناس، حيث تشكل المساجد منطلقًا للخروج في تظاهرة، يخطط لها في أغلب الأحيان ناشطون مدنيون، بعضهم لا يشارك في الصلاة أصلًا. يحدث الأمر نفسه حاليًا في فرنسا من خلال تظاهرات أصحاب السترات الصفراء الذين اختاروا يوم السبت يومًا لتظاهراتهم، وهم لا يخرجون من الكنائس، طبعًا.

اللافت في تلك الجمع هو أنها كانت تحمل تسميات متنوعة، بدءًا بـ “جمعة الكرامة” التي تعبّر فعليًا عن المطلب الأساس للثورة السورية، الكرامة، مرورًا بأسماء متنوعة ومختلفة: (آزادي، صالح العلي، الحماية الدولية مطلبنا)، إلى ما هنالك من مسميات، كانت تقدمها جاهزة إحدى الصفحات على (فيسبوك)، وما زال موضوع تسمية أيام الجمع خفيًا على الكثيرين وأنا منهم، إذ كيف يحدث أن يتم الاتفاق على التسمية؟ ومن هي المجموعة التي كانت تتولى هذا الأمر؟ طبعًا من دون أن ننساق وراء دعاية النظام عن وجود “مؤامرة كونية” وغرف سوداء يقودها الموساد وسواها، وخطة بندر السرية، وما إلى هنالك من قصصٍ جميعها تصبّ في تخوين ملايين السوريين. ولكن، وقد انقضت ثماني سنوات، لا بد أن نقف ونتساءل، لعلّنا -إن أردنا إكمال الطريق- نتجنب الانجرار والتبعية، ونكون نحن من يقرر الشكل الذي يجب أن تدار به الأمور.

كانت بعض التسميات عامة تعبّر عن روح الثورة، كـ “جمعة التحدي”، “الخلاص”، وسواها، لكن بعض التسميات بدا وكأنها حُشرت حشرًا، كـ “جمعة الحماية الدولية” مثلًا، وهذه برأيي تشكل حدًا فاصلًا بين الثورة الشعبية ضد النظام والاستبداد، وبين فتح الأبواب على مصاريعها لكافة الاحتمالات. ولكن هل شارك الجميع في الوصول إلى هذه التسمية؟ وهل كانت جمعة من “سلّح غازيًا فقد غزا”، مثلًا، تحمل بُعد العمل الثوري السوري؟! ومرة أخرى، من دون أن ننساق وراء اتهامات وقصص مؤامراتية. إلا أن الشعب السوري الذي اكتشف، مع بداية الثورة، قدرة وسائل التواصل الاجتماعي على الانتشار ومقاومة الحواجز، تفاجأ بأن نظام دمشق -على عكس باقي أنظمة المنطقة التي قامت بحجب وسائل التواصل الاجتماعي- هو من سمح بموقع (فيسبوك) مثلًا، ولكنه على الهامش أسس جيشًا إلكترونيًا مهتمه الأساسية التشويش على الصفحات الثورية، وخلق آلاف الحسابات الوهمية، التي اكتشفنا لاحقًا أن بعضها ساهم -بشكل أو بآخر- في حرف مسار الثورة، و”شيطنتها”، من خلال تسميتها “ثورة السنّة على العلويين”، أو على “النصيرية”. نعم هذا حدث فعلًا، وقد استندت وسائل إعلام النظام إلى صفحات بعينها، لتعزز روايتها عن الفتنة الطائفية، وعرضت تقارير خاصة مستندة إلى تلك الصفحات.

سألتُ أحد ناشطي الحراك الثوري السلمي في دمشق: هل كانوا هم من أطلق بعض التسميات على بعض أيام الجمع. فأكد ما كنتُ أعرفه، أنهم فوجئوا بالكثير من التسميات. وربما أشار بإصبع اتهام تجاه جماعة “الإخوان المسلمين السورية”، وهو اتهام، على معقوليته، يخلو من دليل مادي. وربما لن يتوفر دليل مادي على الإطلاق، طالما أن صفحة (فيسبوك) يمكن إغلاقها والتبرؤ منها بخطوتين فقط، بل يمكن اختراقها بسهولة.

في مرحلة لاحقة، ظهر ما يُعرف بـ “الهاشتاغ”، وهو تخصيص جملة أو مفردة ما، لتصير متداولة على نطاق واسع، وقد رأينا آلاف الهاشتاغات، خلال السنوات الماضية: (أنقذوا الغوطة، حلب تحترق، دير الزور جائعة، دوما تباد، الرقة تذبح بصمت..) وقد حققت بعض الهاشتاغات انتشارًا أكبر من سواها، طبعًا مرة أخرى لم ولن نعلم من يقف وراء اعتماد تسمية ما، أو مفردة ما لتصير هاشتاغًا، ويتم تداولها. وصلني، مثلًا، منذ مدة هاشتاغ يطلب مني الصديق الذي أرسله، في صيغة أقرب إلى أمر عمليات، أن أعتمده، دون أن يعرف هو ولا أنا طبعًا مَن الذي قرّر أن نتداول هذه الجملة، التي سوف ترسم، على بساطتها، توجه رأي عام مدة يومين أو ثلاثة أيام… وسوف نعتبر أنفسنا منتصرين، إن تصدر الهاشتاغ المواقع مدة ساعتين، وإن تحدثت عنه إحدى القنوات التلفزيونية في برامجها.

من يقودنا إلكترونيًا حقًا؟ من هو القادر على توجيه الرأي العام بهذه الطريقة الغريبة والسريعة؟ وهل حقًا أننا ننساق بفعل غريزي، لتبادل جمل وعبارات، لو فكرنا في بعضها قليلًا؛ لما قمنا بتداولها.

هذه أسئلة أطرحها على نفسي، كل يوم تقريبًا، ولا أصل إلى إجابة شافية. لكنني -شخصيًا- ابتكرت هاشتاغًا خاصًا بي، منذ ثلاث سنوات أو أكثر، أجد أنه يعبّر أكثر عن حالتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق