سلايدرقضايا المجتمع

المعلم السوري: رسول الشعارات ذليل الواقع

هاجم شابان، الشهر الماضي، معلمًا في مدارس مدينة بانياس، وعندما حاول مشرف الأنشطة اللاصفية حل الخلاف بين الطرفين، اعتدى الشابان عليه، ونُقل على إثرها إلى مشفى بانياس، وهو في حالة حرجة، ووقعت هذه الحادثة بعد يومين من اعتداء آخر، بالأسلحة والقنابل، استهدف مدير مدرسة ومدرّسًا، في منطقة صافيتا، من قِبل طالب ووالده المنتمي إلى ميليشيا “الدفاع الوطني”.

توعد وزير التربية في حكومة النظام عماد العزب المعتدين، باتّخاذ الإجراءات القانونية والقضائية ضدهم، معتبرًا أن “سور المدرسة كحدود الوطن، وأن اقتحامه هو اقتحام لحضن الوطن”، دون أن يُعلن عن نتائج هذا الوعيد.

وكانت وزارة التربية والتعليم في حكومة النظام قد اتّخذت في عام 2004 إجراءات عدة، للحدّ من ظاهرة العنف المدرسي من قبل الطرفين، وجددت في العام 2012 هذه التعميمات، بقرارها رقم 2661 المتضمّن سلسلة عقوبات تبدأ من نقل المعلم المخالف إلى مدرسة أخرى، ثم حسم خمسة بالمئة من راتبه لمدة ستة أشهر، وإحالته إلى محكمة السلوك. والحقيقة أن كل ما فعلته هو نقل العقوبة من طرف إلى آخر، وكأنه لا يوجد بديل لفكرة التخويف والقمع وتكريس فكرة التسلّط من قِبل الطرف الأقوى، وهي التي تعدّ النواة الأولى المصدّرة للعنف، لكن كل هذه التعليمات والعقوبات باتت في مهبّ الريح، وسط انتشار المحسوبيات وانفلات الميليشيات.

الاعتداء على المدارس وكوادرها التعليمية ليس ظاهرة جديدة، إذ وُثّقت أكثر من حالة في عدد من المدارس، وظلت معظمها طيّ الكتمان، بسبب عجز المدرس عن فعل شيء، أمام الطالب الذي يكون في أغلب الأحيان ابنًا أو قريبًا لأحد المسؤولين الكبار الذين تعلو كلمتهم حتى على الوزارة، في بلدٍ لطالما اعتبره نظام الأسد مزرعة له ولرجالاته، وفي سبيل ترسيخه لهذه الثقافة، عمد إلى غرس العقيدة البعثية، في نفوس الطلاب منذ المرحلة الابتدائية، التي تمجّد رأس النظام، من خلال الحديث عنه في الكتب المدرسية والإذاعة ونشر صور القائد والأغاني الوطنية التي تشيد به وبإنجازاته، وهذا كله تحت مصطلح “حب الوطن” الذي لا ينفصل عن حبّ “سيد الوطن”.

في المرحلة الإعدادية، ينتسب الطالب إلى الحزب بصفته نصيرًا، ليصبح فيما بعد عضوًا عاملًا بالحزب، وهذه العضوية شرط أساس للوظيفة، التي لا تمنح صاحبها قيمة اجتماعية كبيرة، خصوصًا المعلّم الذي أسهمت سياسات كهذه في تهميشه وسحق شخصيته.

للحديث عن التهميش الذي طال المعلم في حقبة البعث، تحدث الصحفي رزق العبي إلى (جيرون) وقال: “المعلم في دولة البعث هو مضرب المثل ومحط السخرية، بسبب راتبه المتدنّي، وهناك عبارات كثيرة متداولة تُظهر احتقار نظام البعث للمعلمين والرغبة في إهانتهم، ومنها أن كلمة (أستاذ) في الجيش تطلق على أحدهم بقصد الإهانة، فضلًا عن صورة المعلم السيئة في وسائل الإعلام، التي رسخت صورة نمطية له، قوامها البحث عن لقمة العيش، أو شخص يؤدي خدمات (الدروس الخصوصية) التي لم ترفع من قيمته الاجتماعية، وإن هي أسهمت في تحسن الوضع المادي للمعلم مؤخّرًا، إذ بقيت تلك النظرة حاضرة، وهذا ما أسهم في عدم احترام الطالب للمعلم، ولا يجد بعضهم حرجًا في إهانة معلميهم والاعتداء عليهم، فالمعلم في عهد البعث يؤدي مهنة لا قيمة لها، بسبب انتمائه إلى الطبقة الوسطى التي تعرّضت للإفقار منذ سبعينيات القرن الماضي، بسبب التغيرات السياسية وتخلخل البنى الاقتصادية، وتغوّل المؤسسات الحزبية والأمنية، وانجراف الطبقة الوسطى”.

تعتبر المدرسة البيئة النموذجية لنشأة سويّة لأفراد المجتمع، في بلدان العالم المتحضرة التي تولي التعليم اهتمامًا كبيرًا، إلا أن المدارس السورية فقدت، في ظل البعث، دورها التربوي وأصبحت مجرّد جهاز إداري تهمّه الشكليات، ثمّ جاءت الحرب ليجد فيها كثيرون شماعة يعلّقون عليها مظاهر الفساد والتردّي كلها، فتحوّلت المدارس إلى أماكن تصدّر العنف بسبب الحرب، وباتت تعكس الاضطرابات النفسية والتربوية والأخلاقية التي تعصف بالمجتمع السوري برمّته.

وللحديث عن الوضع التعليمي في سورية، تحدثت د. منى زاهد، عضو في مركز الحوار السوري، لـ (جيرون): “تقدّم الأمم يقاس بارتفاع جودة قطاع التعليم، وهذا القطاع في سورية كان يركز دومًا على الكم، من دون الاهتمام بنوعية التعليم وجدواه، وقد شمل التدني العملية التعليمية ببعديها: المعلم الذي أصبحت حياته عبارة عن سعي دائم من أجل لقمة العيش، فلم يعد يبحث عن الإبداع في التعليم؛ والمنهج البعيد من حداثة العصر، فلم يصل إليه تجديد مثمر وفعال يركز على التفكير الإبداعي لدى الطالب، وتنمية قدراته على التحليل والاستنتاج، واكتفى بتلقين الطالب بعض المعلومات التي يستحضرها وقت الامتحان، ليتعامل الطالب مع التعليم على أساس براغماتي ضيق؛ إذ يتمكن بعد إتمام تعليمه، من تحصيل شهادة ترضي الأهل، من دون أن يكون التعليم بحد ذاته قيمة يسعى إليها”.

وأضافت: “ازداد الوضع سوءًا بعد الثورة، حيث إن المجتمع بأكمله يعيش حالة من اللامعيارية، في ظل ترسخ ثقافة البقاء للأقوى الذي يمتلك امتيازات أكثر، مع غياب شبه تام للقانون ومؤسسات الضبط الاجتماعي”.

قد تبدو حوادث كهذه نتيجة طبيعية لسياسات لا تضع المعلم على رأس السلّم الاجتماعي، معنويًا وماديًا، وهي اليوم في تفاقم مستمر، وقد وصلت إلى قاع يصعب الخروج منه، في ظل الأوضاع التي تخيم على السوريين، من قتل ونزوح وتهجير وخوف أوشك أن يفقد هذا الجيل المقومات الإنسانية كلّها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق