أدب وفنون

الشاعر اليمني قيس عبد المغني: “العزلة من أهم الأسباب التي تدفعني للكتابة بحرية”

كطفل تجاوز وعي أقرانه في روضة الشعر، فعميت عليهم الأنباءُ يومئذ فهم لا يتساءلون. فأصبح أكبر من طفل، وأصغر من رجل في العقد الثالث من العمر. عائد من صنعاء بطفلين ومجموعة شعرية. لم يغادر اليمن لأنه يعتقد أن اللغة العربية تركت بذورها هناك. وحين استعرت الحرب، وجنّ أوارها، وبدأ اليمنيون الهجرة والنزوح؛ لم يكن لديه من ثمن لتذكرة السفر سوى ابتسامة، وقصيدة تستحم فيها امرأة من برج الحب؛ فاستعار عيني مواقع التواصل الاجتماعي لنراه. ورأيناه، وكان لنا معه هذا الحوار.

– بعيدًا عن التوصيفات المهيمنة.. من أنت؟

= أنا قيس عبد المغني. يقال إنني عربي من بلاد اليمن. لكن المؤكد هو أنني عضو في منظومة البشر، وأحد سكان هذا الكوكب الجميل. أحيانًا، أسعل كي أستميل الاهتمام نحوي، وحين لا أكون موجودًا، أكتب الشعر كي لا ألفت الأنظار إلى انقضائي. من أنا؟! هذا سؤال مخيف ينبغي السكوت عنه.

– مازال السجال قائمًا حول ماهية الشعر، وكأن هذا المفهوم قد توسع لدرجة يصعب معها ضبطه، أو أنه غير قادر على استيعاب الحداثة. كيف تنظر إلى قصيدتك التي تجاوزت بنيتها ولغتها ما ألفناه؟ بمعنى آخر: هل ما تكتبه شعر؟

= كثيرًا ما واجهت نفسي بهذا السؤال، خصوصًا في بداياتي مع الكتابة التفاعلية على الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي. لكنني وصلت الآن إلى قناعة بأن ليس من المهم أن نصنف أو نعرّف للآخرين ما نقوم بكتابته، طالما أن ما نكتبه حقيقي، وصادق، وغير متكلف أو مفتعل. حسنًا -يا صديقي- قلْ لي ما هو الشعر بشكل نهائي وقاطع، وسأخبرك حينئذ أتورّطتُ فيه أم لا.

– حين قرأت لك أول مرة؛ شعرت بأن مقولة (الشاعر داخل الجغرافيا) مجرد هذر لا معنى له، وأن المشترك الإنساني هو الحامل الموضوعي للأدب بشكل عام، هل هذه حالك أنت؟ أم أن الشعر في البلاد التي عصفت بها رياح الربيع العربي انزاحت وظيفته عن السياقات الجغرافية والسوسيو ثقافية؟

= أنا مواطن عالمي -كنت أعتبر نفسي كذلك دومًا- وطالما حاولت أن أمارس حياتي وفق هذا التعريف، ليس لشيء سوى أنه حقيقي. حقيقي ليس بالنسبة إلي وحسب، بل بالنسبة إلى كل بشري على هذه الأرض.. الأوطان والحدود والهويات والأعراق.. كل هذه الأمور التي تحاصرنا كواقع لا جدال فيه، تتلاشى أمام حقيقة أننا فصيل نادر من الكائنات العاقلة، ظهرت بشكل غامض على كوكب أزرق صغير، لا يكاد يرى في خريطة الكون الذي لم يكشف بدوره عن حدوده أو حوافه التي ينتهي إليها.. أكتب بالقرب من تلك النقطة اللامرئية التي حاولت قبل قليل أن أشير إليها. تلك النقطة التي يذوب فيها أسمي وجنسيتي وديانتي ولوني، لصالح إنسانيتي في صورتها الأولية النقية الخالية من عوالق المسميات وشوائب التصنيفات.

– تتسم قصيدتك بالاهتمام بالأشياء الحياتية البسيطة، وكأن الخاص بوابة إلى العام. هل هو كذلك؟

= لا أعرف أهذا حقًا ما تتسم به قصيدتي أم لا، وإن كنتُ قد أحببت أن تكون كذلك! لكنني أكتب دائمًا -انطلاقًا- مما يحدث لي، أو مما يحيط بي، أعني أنني أقتبس معظم مشاهد نصوصي من فيلم حياتي نفسه، على الرغم من كمية العادي والملل والتكرار واللاشيء التي يكتظ بها.

– هل يصح الإبداع الشعري بالتوصيف أم بالمقاربات النقدية؟

= قناعتي أن الشعر يصح بالوعي الجمالي، بالسعة المعرفية الأدبية ورفعة الذائقة. أمام ناقد أكاديمي متمرس قد يسقط في الجولة الخامسة، أو الأخيرة، غير أن الشعر الرديء أو المزيف والمصطنع –حتمًا- سيسقط في الجولة الأولى، أمام قارئ موهوب وذكي. قارئ بذائقة جمالية شرسة ويقظة لا يمكن خداعها أو التلاعب بها، وهم كثر في زمن النص المفتوح. والنشر التفاعلي هو مصدر رعبي الأول؛ كلما أطلقت في الفضاء العام قصيدة جديدة.

– ثمة رصد لمشاهد سينمائية في الكثير من قصائدك، هل تستطيع الكلمة أن تحمل الصورة (اللون والحركة ولغة الجسد)؟

= يمكنها أن تفعل ما هو أفضل من هذا، عندما يتعامد خط المنتج الأدبي رأسًا، مع كاتب صادق وموهوب ومتلق ثري المعرفة واسع الخيال.. أعرف كلمات كثيرة تسببت في مقتل أصحابها.. أثمة أثر أشد من هذا؟

– حدثني عن مشاركاتك.

= لا توجد لي أي مشاركة على الإطلاق.. كل الدعوات للمشاركة وصلت إليّ في عام 2015 و2016 وكانت الحرب قد بدأت ولم أستطع حينذاك –وما زلت- أن استخرج جواز سفر.. عازف عن المشاركات في الداخل، لأنني لا أطيق القاعات المكتظة بالمجاملات والتكلف والنفاق وتلك الأمور التي يكتظ بها الوسط الثقافي.

العزلة هي من أهم الأسباب التي تدفعني إلى الكتابة بحرية.

– من خلال قصائدك، تعرفت إلى الكثير من الأفلام الأجنبية ونجوم السينما لا بل نجماتها، أين المرأة اليمنية في شعرك؟ أم هي حرمة وحارمة ومحرمة؟

= إن لم تكن كلها، فمعظم ما كتبته من نصوص الحب كان من وحي امرأة غاية في اليمنية.. سبب تلك الومضات السينمائية، ربما يعود إلى حقيقة أن تلك اليمنية الحسناء تعيش منذ سنوات بالقرب من أستوديوهات هوليوود وقصور بيفرلي هيلز! هذا أحد أعظم أسراري والذي خدم مع قصائدي طويلًا وهأنذا في نهاية حوارك أحيله فجأة، بلا سبب، إلى طور التقاعد.

لم ينته الحوار مع قيس، انتهى ما يمكن أن يقال للصحافة في هذا الوقت بالذات، وبقي الكثير من الأسئلة وأجوبتها معلقة على مشجب الوقت، فصورة زمنه اليمني لا تختلف كثيرًا عن صورة زمني السوري، حيث يمكن لكلمة أن تطيح أحلامَنا!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق