سلايدرقضايا المجتمع

انعكاسات سابقة ميانمار على مساءلة مرتكبي الجرائم في سورية

تزامنًا مع الجهود المبذولة على مدار السنوات الماضية، لمقاضاة المتهمين بارتكاب الجرائم الأشد خطورة في سورية، أمام القضاء المحلي للدول، كالسويد وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، بموجب الولاية القضائية (الجنائية) الدولية؛ قدمت منظمة “جيرنيكا للعدالة الدولية” مؤخرًا مذكرةً لمدعي عام “محكمة الجنايات الدولية” تطالب بموجبها بفتح تحقيق في ترحيل سوريين قسرًا إلى الأردن، لكون جريمة الترحيل القسري تدخل ضمن اختصاص المحكمة، وهي مصنفة ضمن نطاق جرائم الحرب، وترقى إلى مستوى الجرائم ضد الانسانية، متى ارتُكبت على نطاق واسع وعلى نحو منهجي.

فضلًا عن سياسة الترحيل القسري للسكان، ارتكبت قوى الأمن السورية جرائم ضد الإنسانية بحق المتظاهرين السلميين، تمثلت بالقتل العمد، الاعتقال التعسفي، التعذيب، الإخفاء القسري وأخذ الرهائن. وعلى أثر تحول الثورة السلمية إلى نزاع مسلح؛ ارتكب المتحاربون أفعالًا في غاية القسوة والوحشية كالقتل المتعمد، والاعتقال التعسفي، والتعذيب وإساءة المعاملة، والإعدام بإجراءات موجزة وعلى نطاق واسع، والإخفاء القسري، وأخذ الرهائن، والعنف والاعتداءات الجنسية والاغتصاب، وتعمد شن الهجمات غير المشروعة ضد المدنيين ومختلف الفئات والأعيان المحمية، بما في ذلك المدارس والمشافي، باستخدام مختلف صنوف الأسلحة، ومنها الأسلحة غير المشروعة، وقد أدى ذلك إلى تشريد أكثر من 12 مليون شخص، أو ترحيلهم قسريًا.

وعلى الرغم من أن معظم هذه الأفعال المستمرة ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية؛ يتواصل التقاعس الدولي عن مساءلة مرتكبيها، نتيجة إمعان بعض القوى في تمكين المجرمين من الإفلات من العقاب.

ويُعزى الإحجام عن مساءلة مرتكبي الجرائم في سورية، إلى عدم توفر إرادة سياسية لدى قوى دولية نافذة. وعلى الرغم من خطورة الجرائم المرتكبة، لم تسفر جهود المجتمع الدولي، بشأن إحالة ملف سورية إلى محكمة الجنايات الدولية للنظر في هذه الجرائم، عن أي نتيجة، حيث أجهضت روسيا عدة محاولات بهذا الخصوص، داخل مجلس الأمن، باستخدامها حق النقض “الفيتو”.

إن ما يحول دون ممارسة المحكمة صلاحية النظر في الجرائم الخطيرة المرتكبة في سورية، هو عدم مصادقة سورية على نظام المحكمة (نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية لعام 1998 – دخل حيز النفاذ في 1 تموز/ يوليو 2002). وبحكم أن إحالة الملف السوري إلى محكمة الجنايات الدولية، من قبل مجلس الأمن، ستزيل القيود التي تعترض ممارسة المحكمة لاختصاصها، بالنظر في الجرائم الخطيرة المرتكبة من قبل أركان النظام العسكريين والسياسيين، وستعرضهم للمساءلة الجنائية، فإن روسيا مصممة على إجهاض أي دور للمحكمة، وتسعى لتمكين رأس النظام وأركانه من الإفلات من العقاب.

لكن هنالك أدوات متاحة لمساءلة المجرمين، كالولاية القضائية (الجنائية) الدولية التي أفضت، قبل نحو شهر، إلى اعتقال السلطات الألمانية ضابطين سابقين في جهاز المخابرات السورية، بتهمة ممارسة التعذيب بحق مئات المعتقلين السوريين. وقد وصلت ملاحقة المجرمين إلى محكمة الجنايات الدولية مؤخرًا، حيث تلقت المحكمة -ومقرها لاهاي- دعوتين قضائيتين، ضد بشار الأسد و 18 مسؤولًا من أركان نظامه، في سابقة لم يواجهها النظام السوري من قبل.

وقد استندت منظمة “جيرنيكا” في مذكرتها، إلى حكم الدائرة التمهيدية لمحكمة الجنايات الدولية، بشأن الولاية القضائية للمحكمة على الجرائم المرتكبة ضد أقلية الروهينغا المسلمة في ميانمار، إذ ادعت أن ترحيل المدنيين السوريين قسرًا إلى الأردن، شبيه بحالة الترحيل القسري لأقلية الروهينغا في ميانمار إلى بنغلادش. وعلى الرغم من أن ميانمار ليست دولة طرفًا في نظام روما الأساسي، فإن بنغلاديش هي دول طرف، وعلى ذلك، تم قبول اختصاص المحكمة تحت طائلة تهجير المدنيين الروهينغا قسرًا، من ميانمار إلى بنغلاديش التي هي دولة طرف في نظام المحكمة.

الواضح أن هنالك تشابهًا بين الحالتين، حيث إن سورية ليست دولة طرفًا في نظام روما، في حين أن الأردن طرف كما بنعلادش، وبالمحصلة؛ يتعين منح الاختصاص للمحكمة في هذه الحالة، أسوة بحالة بنغلادش.

رُفعت المذكرة إلى محكمة الجنايات الدولية، بموجب المادة 15 من نظام روما الأساسي (نظام المحكمة)، حيث إن لمدعي عام المحكمة صلاحية مباشرة التحقيقات من تلقاء نفسه، عندما تتوفر لديه معلومات تتعلق بارتكاب جرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة: تحليل صدقية وجدية المعلومات التي تلقاها، والتماس معلومات إضافية من الدول، أو من مصادر موثوقة وذات مصداقية، كأجهزة الأمم المتحدة والمنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية، إضافة إلى تلقي شهادات شفوية ومكتوبة. وفي حال استنتج المدعي العام وجود أساس معقول للشروع في إجراءات التحقيق؛ يطلب من الدائرة التمهيدية للمحكمة إذنًا بمباشرة التحقيقات، ويمكن للضحايا تقديم مرافعات أمام الدائرة التمهيدية، وفقًا للقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات المعمول بها في المحكمة.

في قضية مسلمي الروهينغا، وجد قضاة محكمة الجنايات الدولية أن لديهم الصلاحية للبت بالدعوى، لكون المهجرين قسرًا يقيمون على أراضي دولة بنغلادش، وهي دولة طرف في نظام روما الخاص بمحكمة الجنايات الدولية. استنادًا إلى هذه السابقة؛ يبقى الاحتمال قائمًا لمد المحكمة لولايتها القضائية على جريمة ترحيل السوريين إلى الأردن، أسوة بترحيل الروهينغا إلى بنغلاديش، ما سيفضي إلى ملاحقة بشار الأسد وأركان نظامه وسائر الضالعين بارتكاب الجرائم شديدة الخطورة بحق السوريين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق