اقتصادسلايدر

مؤتمر (بروكسل 3) يكشف حجم الخلافات بين الفرقاء السياسيين في لبنان

قلق دولي من المخاطر المترتبة على عودة نحو 6 ملايين لاجئ لسورية المدمّرة

وجهت نتائج مؤتمر (دعم مستقبل سورية والمنطقة) الدولي الثالث، في العاصمة البلجيكية بروكسل، أكثر من رسالة بخصوص سورية والدول المضيفة للاجئين، وفي مقدمها الدولة اللبنانية، ففيما كان رئيس الحكومة سعد الحريري يطالب المجتمع الدولي بتحقيق العودة الآمنة للنازحين إلى بلدهم، وبالضغط على “النظام السوري لتأمين هذه العودة”، كان المانحون الدوليون يعبّرون عن قلقهم من المخاطر المترتبة على عودة كهذه، مؤكدين أنّ “الظروف داخل سورية لا تفسح المجال لتشجيع أو تيسير العودة الطوعية المنظمة، في ظروف من السلامة والكرامة، على نحو يتماشى مع القانون الدولي”، كما ورد في البيان الختامي للمؤتمر بنسخته الثالثة أنّ “العودة هي حق فردي، يجب ممارسته في وقت اختيار الفرد”.

قضية عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم الذي أنهكته الحرب، بعد ثماني سنوات من انتفاضة الشعب السوري ضدّ نظام بشار الأسد، كانت القضية الأبرز في هذا المؤتمر، الذي لم تُظهر فيه دول الاتّحاد الأوروبي الكثير من التفاؤل، حيال الآمال المعقودة على العودة الآمنة للسوريين إلى بلادهم، أو على موعد قريب للحل السياسي في سورية، الذي ترى الدول الأوروبية أنّه يمر عبر مقررات جنيف والأمم المتحدة.

قلق دولي من المخاطر المترتبة على عودة نحو 6 ملايين لاجئ لسورية المدمّرة
  • باسيل: “لن نسمح بسقوط لبنان بذرائع إنسانية”

في لبنان، أبرزت المواقف المتناقضة، بين الحريري ووزير خارجيته جبران باسيل، خلافات أثارت استياء في الأوساط الأوروبية، خصوصًا أنّ الأوروبيين تجاوبوا مع الملاحظات التي قدّمها ممثل وزارة الخارجية في الوفد اللبناني بالتنسيق مع فريق رئيس الحكومة.

الحريري شدّد في كلمة ألقاها خلال المؤتمر، على أنّ “لبنان لا يستطيع أن يستمرّ في تحمّل الآثار الاقتصادية والاجتماعية لاستضافة مليون ونصف مليون نازح”. مؤكدًا أن “الحل الوحيد لأزمة النازحين السوريين هو عودتهم الآمنة إلى بلادهم، مع احترام القوانين والمعاهدات الدولية”.

ولفت الحريري إلى التزام الحكومة اللبنانية بالعمل مع هيئات الأمم المتحدة، حول أيّ مبادرة لعودة اللاجئين من بينها المبادرة الروسية. محذرًا من أنّ التوترات قد تزداد وتؤدي إلى خطر الأعمال العنيفة؛ ما سيؤثر في استقرار لبنان ويحفز اللاجئين على البحث عن ملجأ آخر. كما عاد وأكد أنّه “يجب أن يضغط الأصدقاء والحلفاء على النظام بسورية، لإعادة اللاجئين إلى بلدانهم”.

بالمقابل، هاجم وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، في كلمته في احتفال ذكرى (14 آذار) الخميس، مؤتمر (بروكسل 3) قائلًا: “مؤتمرات كهذه تموّل لبقاء النازحين وليس لعودتهم إلى بلادهم، وليس صدفة أني لستُ في بروكسل”، مشيرًا الى أنّ “دولًا كبيرة تمنع عودة النازحين إلى بلادهم.. ولن نسمح بسقوط لبنان تحت ذرائع الإنسانية، في وقت تُعدّ فيه إعادتهم إلى وطنهم أكبر عمل إنساني”. وأردَفَ قائلًا: “من يريد عودة النازحين؛ فعليه أن يوقف كذبة التطبيع مع سورية، لأنّ علاقتنا قائمة وليست مقطوعة مع سورية ولا تحتاج إلى تطبيع”.

أضاف باسيل: “لا يعتقدنّ أحدٌ أنّه يقدر أن يغرينا بمساعدات مالية، أو يهددنا بحصار مالي؛ فبالنسبة إلينا (سيدر) هو رزمة إصلاحات لمصلحة بلدنا، وحين يستعملها أحد ليفرض علينا قروضًا مقابل النزوح، نجيبه: ما بدّنا لا قروضك ولا نزوحك، فلبنان أرضه وهويته ورسالته أغلى من كل أموالك”.

وغاب باسيل عن حضور مؤتمر (بروكسل 3)، كما أنّه لم يشارك سابقًا في مؤتمري (بروكسل-1 و2).

نحو 6.3 ملايين سوري لجأوا إلى أكثر من 45 دولة

بدوره، أكد رئيس الجمهورية ميشال عون، الجمعة، خلال لقائه روبيرتو فيوري رئيس (حزب التحالف من أجل السلام والحرية) الإيطالي، مع وفد برلماني أوروبي من الحزب، العمل مع المراجع الدولية من أجل عودة آمنة للنازحين إلى المناطق المستقرة في سورية، مشيرًا إلى أنّ لبنان يصطدم بإصرار المجتمع الدولي على إعطاء الأولوية للحل السياسي. ومشدّدًا على ضرورة منح المساعدات للنازحين في بلادهم لتحفيزهم على العودة، وهذا ما شددت عليه مقررات القمة العربية التنموية الاقتصادية والاجتماعية التي انعقدت في بيروت، يومي 19 و20 كانون الثاني/ يناير الماضي.

وشكّل إقصاء الحريري لوزير شؤون النازحين في حكومته صالح الغريب، عن الوفد المشارك في مؤتمر (بروكسل 3)، حول إعادة النازحين السوريين، العنوان العريض في المشهد السياسي.

  • الحريري.. سعي لتوحيد الموقف الرسمي من ملف النازحين

تقارير صحفية في بيروت نقلت عن مصادر وصفتها بـ “سياسية متابعة” قولها: إنّ “قرار استثناء الوزير هو رد على افتتاح الغريب موسمه الوزاري، فور تعيينه في الحكومة، بزيارة إلى النظام السوري، غير منسقة حكوميًا، وقبل أن يعقد مجلس الوزراء جلسته الأولى إيذانًا بانطلاق عجلة العمل، الأمر الذي اعتبره أكثر من فريق سياسي استفزازًا وضربًا غير موفق”.

الحريري من بروكسل .. الحل الوحيد لأزمة النازحين السوريين هي بعودتهم الآمنة

المصادر رأت أنّ الحريري “أراد من إقصاء الغريب توجيه رسالة داخلية، مفادها أنّه هو الذي يضع سياسة الحكومة الرسمية تجاه معظم الملفات، وتحديدًا ملف النازحين السوريين الذي يتشعب ليستغله البعض لإعادة تطبيع العلاقات مع سورية”. مشيرة إلى أنّ رئيس الحكومة “يسعى لتظهير موقف لبناني موحّد، من ملف النازحين وكيفية التعاطي معه وحلّه، أمام المجتمع الدولي”.

  • الجراح: خوف لبناني من “التلاعب الديموغرافي”

في السياق، اعتبرت مصادر سياسية تواكب ملف عودة النازحين أنّ “وحدة الموقف اللبناني بَدت ظاهريًا في بروكسل، من خلال اعتماد عبارة (العودة الآمنة) للنازحين السوريين، في كلمة لبنان أمام المؤتمر، وهو التعبير الذي ورد في البيان الوزاري، وقبله في قمة بيروت التنموية”.

وزير الإعلام اللبناني جمال الجراح.. عودة النازحين إلى سورية ومنع التوطين

المصادر قالت، وفقًا لما نقلت صحيفة (الجمهورية) البيروتية، إنّه “مبدئيًا، وعد المانحون بالمال، لكنّها ليست المرّة الأولى التي تعد فيها الدول المانحة بأموال بالمليارات، ويصل من هذه المليارات ملايين، وتوزّع مباشرة من دون المرور بالدولة اللبنانية، إلّا في ما يخصّ وزارة التربية، لأنّ عددًا لا بأس به من تلاميذ النازحين السوريين ما زالوا مسجّلين في المدارس اللبنانية الرسمية”.

ولفتت المصادر إلى أنّ “المبالغ المالية مرتبطة ببقاء النازحين السوريين من جهة، وبتوظيفهم من جهة ثانية، وهذا أمر لا يعبّر عن وحدة الموقف اللبناني”. وأشارت إلى أنّ الحريري الذي تحدث عن عودة آمنة، ربطها بـ “القوانين والمعاهدات الدولية”، وتؤكد كلها “ضرورة دمج النازحين، وصولًا إلى حدِّ تجنيسهم وعلى عدم عودتهم اليوم، إنّما على عودة طوعية”.

في سياق متصل، قال وزير الإعلام اللبناني جمال الجراح: إنّ هناك اتّفاقًا بين الفرقاء على مسألتين أساسيتين هما: عودة النازحين إلى سورية ومنع التوطين. أمّا “المقاربة الصعبة فتكمن في آلية عودة النازحين”، على حدِّ قوله. مضيفًا في تصريحات صحفية، الخميس: “نحن مع عودة النازحين السوريين إلى سورية، خوفًا من التلاعب الديموغرافي في لبنان، والمطلوب حماية دولية لعودتهم وإلّا؛ فلا عودة”، مشيرًا إلى أنّ “المجتمع الدولي حريص على عودة النازحين، ومدخل هذا الموضوع هو أنّ يصدر النظام السوري عفوًا عامًا عن النازحين، وهذا ما يعمل عليه الروس”.

وكانت منظمة “منسقو استجابة سورية” (وهي منظمة مجتمع مدني سورية مستقلة) قالت في تقرير جديد لها، وصلت إلى (جيرون) نسخة منه: منذ انطلاق الثورة السورية قبل ثماني سنوات، نزح ولجأ أكثر من 13 مليون مواطن، أي ما يعادل نحو 60 بالمئة من عدد سكان سورية، من بينهم 6.3 ملايين سوري لجؤوا إلى أكثر من 45 دولة، فيما نزح نحو 7 ملايين سوري داخليًا، غالبيتهم في الشمال السوري، الخاضع لسيطرة فصائل إسلامية ومعارضة، حيث يعيش في محافظة إدلب وريف حلب الغربي وريف حماة الشمالي، حتى نهاية سنة 2018، أكثر من 4.7 ملايين شخص، من بينهم أكثر من مليون و674 ألف نازح ومهجر قسريًا، ونحو 17 ألف لاجئ فلسطيني وعراقي.

  • 3 مليارات دولار لتلبية حاجات الداخل السوري

جاء هذا المؤتمر بعد مؤتمرين سابقين في مدينة بروكسل، عامي 2017 و2018، وأتى انعقاده هذه المرّة تزامنًا مع الذكرى الثامنة للثورة السورية، وبعد سلسلة تحوّلات ميدانية في العام الأخير ترتبط بمصير اللاجئين السوريين، خصوصًا مع بروز خطة روسية لإعادتهم لبلدهم، الذي دمّرت آلة القتل الأسدية – الروسية – الإيرانية والميليشيات الشيعية، أكثر من ثلثي بنيته التحتية.

المؤتمر تعهد بـ 7 مليارات دولار للاجئين السوريين، فيما تحتاج الأمم المتحدة إلى 8.8 مليار لتغطية احتياجاتها.

وقالت الأمم المتحدة: إنّ “ثمّة حاجة إلى توفير 3.3 مليارات دولار لتلبية حاجات سورية من المساعدات، إضافة إلى 5.5 مليارات دولار أخرى، لدعم البلدان المجاورة في لبنان والأردن والعراق ومصر وتركيا، التي لجأ إليها الكثير من السوريين”.

آلة القتل الأسدية = الروسية – الإيرانية دمّرت أكثر من ثلثي سورية

في السياق، كشف تقرير نُشر الأسبوع الماضي، عن التقدّم المحرز في الوفاء بتعهدات مؤتمر 2018، أنّ “المجتمع الدولي قد تجاوز ما نسبته 40 بالمئة، من المساعدات التي تم التعهّد بها”. وساهمت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ومؤسساته بمبلغ 4.7 مليارات دولار في عام 2018، وهو ما يساوي زيادة بنسبة 56 بالمئة على تعهداتهم الأصلية”.

وتعهد المجتمع الدولي آنذاك بتقديم تمويل بقيمة 4.3 مليارات دولار، لدعم الأنشطة الإنسانية، وتحقيق الاستقرار والتنمية لعام 2018 في سورية والمنطقة، فضلًا عن تقديم 3.5 مليارات دولار لعامي 2019 – 2020.

كذلك أعلنت المؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة منح قروض بقيمة 21.2 مليار دولار خلال الفترة بين عامي 2018 و2020.

وتعتبر دول جوار سورية من أكثر الدول استضافة للسوريين، وتتصدرها حاليًا، تركيا بأكبر عدد من اللاجئين السوريين المسجلين، ويصل عددهم إلى 3.3 ملايين شخص، غالبيتهم العظمى تعيش في المناطق السكنية، فيما تستضيف المخيمات نحو 8 بالمئة فقط منهم، بحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ويحلّ لبنان في المرتبة الثانية، حيث يعيش فيه أكثر من مليون ونصف نازح سوري، في ظل ظروف معيشية سيئة. ويقدر أنّ نحو 70 بالمئة منهم يعيشون تحت خط الفقر، في وقت لا توجد مخيمات رسمية للاجئين في لبنان، إذ تتقاسم العائلات اللاجئة أماكن السكن الصغيرة، ويعيشون في أماكن مكتظة، ومخيمات غير مجهزة بأبسط مقومات الحياة الأساسية. وتفيد معلومات متقاطعة بأنّ أعدادًا من السوريين يقيمون في لبنان من دون تسجيل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق