أدب وفنون

“الوطن داخلًا” وسورية بكاملها “قارب”

أن تكون الحكاية السورية حكاية ثماني سنوات من الحلم، الحرب، التهجير، الاعتقال، والأمل، مشغولة بفنَّين تجريديين: الموسيقى والرسم، وأن تكون لغة الحوار بين الكلارنيت، بكل ما تحمله من صوت يعيدنا إلى نايات الخلق، ولغة اللون والخطوط بين الأبيض والأسود، التي حُملت على تقنيات متعددة، كانت أشبه بفيلم رسوم متحركة، أو مسرح الظل والضوء، عكستها شاشة تصدرت مسرح المدينة في جميرة دبي.

نص موسيقي تشكيلي يمسرح حكاية الشعب السوري، وقد قدّمت على مدار ساعة كاملة، كانت أشبه بصلاة. الإنصات لعزف كلارنيت يستعيد صوت النايات كلها، ومتابعة ريشة الفنان وأنامله الساحرة التي شكّلت جزءًا حقيقيًا من اللوحات، هو الأمل والجمال السوري الذي جمع الموسيقي كنان العظمة والتشكيلي كيفورك مراد. نجمان محمّلان بإرث حضاري عريق من دمشق وحلب، أضافا إليه بعدًا عالميًا من نيويورك، حيث يعيشان اليوم، ويتابعان أحلام الطموح..

ساعة كاملة، على مدى ليلتين متتاليتين، بدأها الموسيقي كنان العظمة وهو يقف في منتصف الشاشة، في ليل المسرح، والضوء مسلط عليه، يبدأ العزف وكأنه يفتح باب البوح والأمل، على حكاية وطن ومدينة وناس، حكاية سورية تحمل عمقًا حضاريًا يمتد آلاف السنين، في إشارة إلى سوريا الحضارة، وما وصلت إليه صورة هذا الوطن اليوم من الدمار.

تمشي أنامل الفنان التشكيلي كيفورك مراد وتقنياته الساحرة، بسرعة/ ببطء، وهو يملأ فضاء المسرح بلوحة تبدأ نقطة، وسرعان ما تتحول إلى حشود من الناس. لوحة تلو أخرى تمضي بكيمياء خاصة جدًا… بين موسيقى وتشكيل، وصمت يعمّ المسرح، يقطع الأنفاس ويجعل الجمهور يتابع ريشة الفنان وتقنياتها على صوت الكلارنيت، وكأننا أمام فيلم ناطق.

أنامل الرسام، ريشة طائر، نراها تعزف باللون والخطوط، نستحضر غويا بالحشود البشرية وألوان السواد، والمحرقة، ولكن ببصمة فنان سوري عالمي، وكأننا أمام نشيد الموت والأمل، تستحضر حكايات شعب. من لحظة العرس، حتى قارب الهجرة والغرق الذي يحمل بعدًا كونيًا، وطن يتحوّل إلى قارب، سوريون في المنافي والشتات، مشهد غبار وقيامة، حيت تتحول المدن إلى ركام، والموسيقى تتصدر المشهد، تحكي تهمس تبوح تتعالى تتلون، والصدى إيقاعات وطبول، وصمت الجمهور المضاف إلى هذه الموسيقى، إننا ننصت للوجع، ننصت للجمال، ونرى، نتابع الرسوم التي تبدأ كجملة موسيقية وتنتهي معها، ويصل العرض إلى خيط الأمل، العمران.

تلك المناخات عكسها مراد، وهو حفيد لشاعر غنائي أرمني فرّ إلى سورية عام 1915، والعظمة حفيد أسرة دمشقية تعيدنا إلى يوسف العظمة بطل ميسلون، تعيدنا إلى بيته الدمشقي الذي لا يزال يعرف معنى التربية الموسيقية.

“الوطن داخلًا”، مشروع بدأ بين كنان ومراد، قبل أكثر من سبع سنوات، هذا العرض بدأ قبل أن يبدأ على المسرح، بصوت نزار قباني، الذي شكّل مدخلًا لدمشق التي دخلت في شرايين كل من أحبها.

هذي دمشقُ وهذي الكأسُ والرّاحُ … إنّي أحبُّ وبعـضُ الحـبِّ ذبّاحُ

بعد انتهاء العرض، عاد صوت نزار قباني يملأ فضاء المسرح، وكأن من اختار هذا الصوت يعيدنا إلى البدء، بدء الحب في مدينة الحب، حيث يرقد ابن عربي، وقباني على ترابها.

تشكيلات جماعية، جداريات، ومشروع بصري. التقينا بـ كيفورك، بعد انتهاء العرض، تحدث عن اللغة البصرية: “حاولت في هذا المشروع أن تمشي الريشة مع الموسيقى، الموسيقى لها بداية ونهاية، كيف يمكننا الرسم دون الرجوع إلى الوراء، أن نرتجل، أن تكون هذه الكيمياء بين الموسيقى واللون، بل كيف يعبر الخط واللون، كما الصوت”.

من هنا، بدأ المشروع مع كنان، وهو المشروع الثاني الذي يشتغل على اللغة البصرية مع الصوت، قبله كان عملًا مشتركًا هو جلجامش، تحدث عن غزو العراق وسرقة المتاحف والحضارة، وهو ما تعيشه سورية الآن.

رسومات كثيرة، التظاهرات، الأعراس، صورة أم وأولادها تهرب من بيتها تاركة النافذة مفتوحة، وكأنها نافذة أمل، صور الدمار، الهروب والنزوح واللجوء، صورة قلعة حلب، ثم احتراقها، وهي لوحة قديمة لكيفورك تحمل نبوءة ما حدث، لوحات تقارب الواقع، على أنغام الكلارينيت، ارتجال، تناغم، يكملان بعضهما، لدرجة أن كنان لا يريد لأحد في الصالة أن يصفق، أو أن يقطع هذه الخلوة الصوفية العالية، بينه وبين كيفورك مراد، يبدأ بالعزف يلتفت إلى الشاشة ليرى ما رسمه مراد، ويتابعان معًا خطوة خطوة يسيران معًا، وكأن الحكاية الموسيقية تنتظر من يمشي معها، يمنحها ترتيلًا آخر، لوحة العربة سورية التي يشدها إنسان مقهور، ولوحة الأحصنة المواجهة التي تعيدنا إلى التاريخ، جثة الغريق السوري تطفو، وصوت الموسيقى يأخذنا إلى التحديق في كلّ شيء، وفي أحد المقاطع على الشاشة، على خلفية عزف العظمة، ترتفع رسوم مراد من الظلام لتكشف مجموعة تحتشد في قارب صغير…

كنان العظمة وكيفورك مراد، في هذا المشروع، يرسمان مشاهد العرض، يمشي الخط مع الموسيقى، وبعد قارب النجاة القارب الذي شكل لحظة شعرية عالية مع الموسيقى، نحن نغرق، والمدن تهدم، والناس تهج، تصيح الموسيقى نايات أورفيوس، تترك إيقاعات الصدى، فهل يوثق هذا العمل لرحلة السوري، منذ صرخ للحرية.

يقف كنان في منتصف الشاشة، ومرة يقف على زاوية المسرح مقابل الفنان، وفي المشهد الأخير يقترب من الشاشة بموسيقا الكلارنيت، وهنا تبدأ المدينة بالعودة إلى العمران، الوطن يعود..

تميز مراد، بتقنية خاصة، بالرسم والمضي إلى الأمام، لا نلتفت إلى الوراء إلا لنسجل اللحظة التي سرقوها منا، يفكر بالتالي دائمًا، الأنامل ريشة طائر، يسعى للتشبيك مع فنون أخرى، ويدرك كنان أن الفن الذي يقدمه لن يوقف رصاصة، ولن يجعل سورية دولة ديمقراطية وعلمانية، ولن يعيد من ماتوا؛ لكنه يعطي سببًا للحياة، ونافذة للأمل: “أعطيه صوتًا يعطيني خطًا، والعكس صحيح في هذا التناغم”.

استطاع كنان أن يضع نفسه بين أهم عازفي الكلارنيت في العالم، وهو العازف المسافر، درس في المعهد العربي والعالي لاحقًا في دمشق، وهو أول موسيقي عربي يحصل على الجائزة الأولى في مسابقة نيكولاي روبينتسن الدولية للشباب في موسكو. تابع دراسته العليا وعزف على أهم مسارح العالم.

يدرك أنه لا يوجد آلة وحيدة اللون، ينتمي إلى الإنسانية، تنوعت أعماله الموسيقية بين الارتجال والتأليف، ومنها فرقة حوار، هذا المشروع التجريبي الذي بدأه في دمشق، عرف أهمية الحوار والتواصل والارتجال بين الآلات الموسيقية، والفنون. قدّم عام 2003 في كنيسة الزيتون بدمشق، برفقة السوبرانو ديما أورشو، وعصام رافع، وعمر موسى، وسيمون مريش، وخالد عمران، حفلات متتابعة، أثمرت عددًا من الألبومات، من خلال فرقة حوار.

يقول كنان: “فكرة الارتجال والتأليف، تسكنني، الموسيقى المرتجلة التي تشعرك كأنها مكتوبة، عفوية تحمل فكرة، أول قطعة كتبتها خاتمة ابن عربي، صارت جزءًا من قطع موسيقية كبيرة”..

“أمّا (صباح حزين) فهي قطعة ارتبطت بالأحداث الاحتجاجية في سورية، فخلال سنة كاملة، لم أستطع أن أكتب موسيقى، كنت أختبر المشاعر العواطف. بعد هذا العام، عرفت أن الآلة صوتي، ولا بد أن يبقى هذا الصوت مسموعًا. (صباح حزين) أبدأ بها كل حفلاتي، لكنني اليوم أتشبث بالأمل، ولا أريد للصباح أن يكون حزينًا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق