سلايدرقضايا المجتمع

هل يكفي التوثيق الفردي لقتلى الثورة السورية؟

تُعدّ قضية توثيق أسماء ضحايا الحرب التي شنّها نظام الأسد على الشعب السوري، إحدى أبرز المعضلات التي واجهت المنظمات والهيئات الدولية، حيث إنها ما تزال عاجزة حتى اليوم عن إجراء توثيق دقيق، لضحايا تلك الحرب المستمرة منذ ثماني سنوات.

محاولات من منظمات حقوقية تارة، ومساع فردية تارة أخرى، لم تتمكن جميعها من توحيد جهودها للخروج بأرقام دقيقة من جهة، أو بقيمة قانونية من جهة أخرى.

تامر تركماني، أحد الذين عملوا بشكل فردي على إعداد وثيقة تشمل ما يزيد عن 200 ألف قتيل في سورية، بيتهم 17,000 تم قتلهم تحت التعذيب والإعدام الميداني على الجهات الفاعلة في الحرب السورية: النظام السوري و(تنظيم الدولة السلامية) والقوات الروسية وقوات التحالف الدولي والميليشيات الكردية.

وبحسب إحصاءات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فقد قُتل 223,161 مدنيًا في سورية، منذ آذار/ مارس 2011 حتى آذار/ مارس 2019، على أيدي الأطراف الرئيسية المقاتلة في سورية، بينهم 198,409 قتلى على أيدي قوات النظام السوري والميليشيات الرديفة له (88,91 بالمئة من العدد الإجمالي) بينما قُتل 6283 مدنيًا بنيران القوات الروسية، و5421 مدني على أيدي التنظيمات الإرهابية (تنظيم الدولة) و(هيئة تحرير الشام)، وقُتل 4123 مدنيًا على يد فصائل المعارضة، و3035 مدنيًا بنيران قوات التحالف الدولي، بينما قُتل 1007 مدنيين على أيدي الميليشيات الكردية.

وعن توثيق أسماء ضحايا النظام السوري، قال تركماني في حديث إلى (جيرون): “بدأتُ بجمع أسماء الشهداء في المحافظات السورية كافة، إضافة إلى أسماء المعتقلين الذي قُتلوا تحت التعذيب أو بالإعدام الميداني منذ عام 2014، وصنّفتهم ضمن ملفات في برنامج على شكل جداول، حيث قمت بوضع ملف على مدى كل شهر، وملف على مدى عام كامل، منذ بداية الثورة حتى اليوم”.

وتابع: “جمعت حتى اليوم 96 ملفًا، حيث أقوم بإضافة اسم الشهيد الذي يصل اسمه في الملف الخاص به وعمره، إضافة إلى إدراج المعلومات المتوفرة عنه (ذكر أو أنثى – مدني أو عسكري) ووضع الجهة التي قُتل على يدها”.

وأكد تركماني أنه قام بجمع وثائق وفاة لعدد كبير من الشهداء، سواء أكانت شهادة وفاة صادرة عن الشرطة العسكرية أو الأمن العسكري أو المشفى العسكري للنظام السوري، أو بشهادات أهالي ضحايا التعذيب بالمعتقلات، بعد تعرفهم إلى صور أبنائهم من ضمن (صور قيصر) الذي سرّب عددًا ضخمًا من صور شهداء التعذيب في معتقلات النظام السوري”.

وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد وثقت، في عام 2018، 976 حالة وفاة بسبب التعذيب، بينهم 12 طفلًا، من بينها 97.44 بالمئة قُتلوا على أيدي النظام السوري.

لفت تركماني النظر إلى أنه يعتمد، في توثيقه وجمع المعلومات، على أهالي الضحايا والأصدقاء، إضافة إلى التنسيقيات الموثقة، إلى جانب تواصل عدد من الأهالي معه، بعد أن عرفوا طبيعة عمله في توثيق أسماء الشهداء منذ خمس سنوات، مشددًا على أن “توثيق أسماء شهداء التعذيب والإعدام الميداني حسّاس جدًا، ويُعدّ من أصعب التوثيقات في العمل”.

وأكد تركماني أنه في صدد تصميم أكبر لوحة لصور الشهداء، في الآونة المقبلة، ستضم صور 100 ألف قتيل و200 ألف اسم، وأرجع سبب عدم قدرته على تحصيل صور جميع الشهداء، إلى عدم امتلاك بعض الأهالي صورًا لأبنائهم بسبب النزوح واللجوء.

وتطرق كذلك إلى اللوحات التي عُرضت خلال الثورة، بعد عمل دؤوب في جمع صور ضحايا الاعتقال، فقال: “عرضت أول لوحة عام 2015، وضمت صورة 50 ألف شهيد، فيما عرضت الصورة الثانية إلكترونيًا عام 2016، وتضمنت صورة 99 ألف شهيد، أما اللوحة الثالثة فكانت عام 2017 وقد صممت لصور أطفال قُتلوا في مجازر النظام السوري أو تحت التعذيب، وضمت 5000 صورة طفل شهيد”.

في السياق ذاته، أكدت منظمة (هيومن رايتس ووتش) في تقريرها لعام 2019، أن النظام السوري حدّث معلومات السجلات المدنية في تموز/ يوليو 2018، لتشمل شهادات الوفاة مئات الأشخاص الذين كانوا محتجزين أو أخفوا قسرًا على يد النظام، ولم تقدم التحديثات تفاصيل محددة غير تاريخ الوفاة، وأحيانًا سبب الوفاة، ولم يسلم النظام العائلات جثث الضحايا.

تعرض التركماني للتهديدات، بسبب عمله، عدة مرات، كان آخرها منذ تسعة أشهر، ولكن إيمانه بعمله جعله يمضي في طريقه،  وأشار إلى أنه يطمح إلى “جمع شهادات أهالي ضحايا التعذيب في المعتقلات أو الذين تم إعدامهم ميدانيًا، ولكن ذلك العمل يحتاج إلى دراسة موسعة، ثم التواصل مع إحدى المنظمات الحقوقية المعتمدة من قبل المحاكم الدولية للتعاون معها”، على حد قوله.

من جانب آخر، قال رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية في برلين أنور البني، في حديث إلى (جيرون) حول أهمية العمل الفردي في التوثيق: “إن جمع أسماء ضحايا النظام السوري، وغيره من التنظيمات الإرهابية، وتوثيقها هو عمل مهم، وإن كان بشكل فردي، ولكن كلما كان العمل جماعيًا كان تأثيره أكبر”.

وتابع: “أي عمل يوثق أسماء الشهداء هو عمل مؤثر، وبكل الأحوال العمل الفردي مهم للوصول إلى عمل جماعي لاحقًا، شرط أن يكون هناك هدف للعمل، كنشر الأسماء أو مناصرة المعتقلين وغير ذلك”، لافتًا الى أن إخراج الموضوع بشكل لوحة تضم صور الشهداء سيكون مؤثرًا ومهمًا جدًا وفاعلًا.

وفضّل البني “أن يُنشر مثل هذا العمل على موقع إلكتروني، ليصل صاحب العمل إلى النتيجة المرجوة”، ولكنه استبعد أن يكون هذا النوع من جمع أسماء الشهداء ومعلوماتهم يندرج تحت بند التوثيق القانوني؛ لأن العمل بالتوثيق “يحتاج إلى جهود كبيرة سواء بجمع الشهادات أو طبيعة الأسئلة، إضافة إلى التأكد من صدقية المصدر” على حد تعبيره.

وأضاف رئيس المركز الحقوقي الذي نجح مؤخرًا في استصدار قرارات اعتقال ومحاكمة بحق بعض رجالات الأسد الأمنيين، أن المؤسسات والمحاكم الدولية “تستلم التوثيق من منظمات لها صدقية، ومن الصعب أن تأخذ بعمل فردي، فالتوثيق يعتمد على التحقق من كل اسم شهيد على حدة، وفي حال كان هناك خطأ في اسم واحد أو معلومة واحدة، فإن هذا الموضوع سيؤدي إلى نسف العمل بأكمله”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق