سلايدرقضايا المجتمع

يانيس بهراكيس.. يغيب بعد أن أخبر العالمَ بآلام اللجوء السوري

رحل، مطلع آذار/ مارس، مصور وكالة (رويترز) اليوناني يانيس بهراكيس (58 عامًا) بعد أن أخبر العالمَ بعذابات الفارين من الظلم والقهر والاستبداد، وفي مقدمتهم السوريون الذين لجأ الآلاف منهم إلى أوروبا، بحثًا عن الأمان الذي افتقدوه تحت حكم الدكتاتور الأسد.

التقط يانيس ثلاث صور معبرة، تمثل جزءًا من إرث بصري حافل بمشاهد ضحايا، غيرت مجرى حياتهم أحداث مروعة، أنجزه بقلبه لا بعينه فحسب. سجل الصورة الأهم في شتاء 2015 عندما رأى أبًا يحمل، في أثناء عاصفة رعدية، طفلته الصغيرة، بعد أن قطع عدة أميال مشيًا على قدميه بين مقدونيا واليونان.

يقول يانيس: “إنه رجل سوري يرتدي عباءة بلاستيكية سوداء مصنوعة من أكياس القمامة لتحميه من المطر. في نظراته قوة لا توصف، قطع مسافة طويلة نحو ما يعتقد أنه الحرية، كان يضم ابنته بين ذراعيه، ويُقبّلها. رأيته يمشي خلال العاصفة في منتصف الطريق بقوة وحب.. بدا لي ضخمًا مثل بطل سوبر. ولأن لدي ابنة في عمر ابنته، هزني هذا المشهد؛ فقلت مازحًا: لقد أثبت بهذه الصورة أن الأبطال الخارقين موجودون ليس في خيالنا وحسب، بل في الحياة أيضًا”.

نقل يانيس، في الصورة الثانية، مشهد لاجئ سوري آخر، يحاول حماية أطفاله من الغرق في مياه شاطئ جزيرة ليسبوس، وقد أطلق العنان لتعابير وجهه المتعب القلِق المرتعب، وهو يحاول الإمساك بهم، لكيلا يفلت أحدهم من بين يديه.

في آب/ أغسطس 2015، التقط يانيس صورته الثالثة، على شاطئ جزيرة (كوس) اليونانية، عندما كان ينتظر وصول الطوافات. حيث لمح سيدة متقدمة في العمر، يومض وجهها بشمس الصباح، تجلس على الشاطئ، جلسة بدت له مريحة هادئة. يخبرنا يانيس أنه، بعد أن أخذ لها لقطات من بعد أمتار، قرر أن يقترب منها: “قدمتُ لها قطعة حلوى، إشعارًا بالضيافة اليونانية. أمسكت الحلوى بصعوبة وهي تقول لي بالعربية (صباح الخير). بدت مضطربة، لكن وجهها اللطيف حافظ على ابتسامته الجميلة. أدركتُ من حركة يديها أنها عمياء؛ ففاضت روحي بعاطفة جياشة نحوها. تبادلنا المجاملات باللغتين العربية والإنجليزية. شعرت بأنها متفائلة، وأنها لم تفقد الأمل في جمال هذا العالم. كانت من أصل فلسطيني، وقد تم اقتلاعها من أرضها للمرة الثانية، لكن هذه المرة من سورية”.

بعد انضمامه إلى العمل الصحفي، قبل ثلاثين عامًا، غطى بهراكيس أهم الأحداث التي شهدها العالم، ومن ضمن ذلك الصراعات الدموية في أفغانستان، والشيشان، وكشمير، وسيراليون، وانتفاضات الربيع العربي التي بدأت في عام 2011. إضافة إلى أزمة اللجوء إلى أوروبا التي بلغت ذروتها عام 2015.

بدأ يانيس علاقته بالصورة، داخل أستوديو للتصوير الفوتوغرافي. وانتقل إلى التصوير الصحفي، بعد أن شاهد في عام 1983 فيلم (تحت النار) الذي يحكي قصة مجموعة صحفيين يغطون الثورة في نيكاراغوا. يتحدث يانيس عن تلك المرحلة: “كنتُ أعمل في أستودیو للتصویر الفوتوغرافي التجاري، ثم شاھدت فيلم (تحت النار) الذي غيّر حياتي. بعد ذلك أردت أن أصبح مصورًا صحفیًا أغطي الحروب. كانت مھمتي الأولى الخارجية، في لیبیا، في كانون الثاني/ ینایر 1989. بعد أربعة أیام من وصولي غطيت لوكالة (رویترز) لقطات عاجلة، حول قیام القوات الجویة الأميركیة بضرب الطائرات الحربیة اللیبیة. جاء العقید القذافي لزیارة الصحفیین في الفندق، حیث تم احتجازنا في الداخل عدة أیام. لكنه غادر دون أن يتحدث إلینا. عندما حاولت الصحافة إجراء مقابلات معه والتقاط الصور، تمكنت خلال الفوضى التي حدثت، من التسلل إلى جانب القذافي بطریقةٍ ما، والحصول على بعض اللقطات الواضحة. في الیوم التالي، كانت الصور التي التقطتها تتصدر الصفحات الأولى من الصحف، في جمیع أنحاء العالم”.

ركز يانيس، في مهماته الصحفية، خلال العقود الثلاثة التي مضت، على العنف الذي يفرض سطوته في أماكن عديدة. وفازت صوره عن اللاجئين السوريين بجائزة (بوليتزر) الدولية. كان تفانيه مذهلًا. وقد وصفه فاسیلیس تریاندافیولو بـ “الإعصار الذي يعمل ليل نهار”، وبأنه كان على قدر كبير من المخاطرة الشخصية للحصول على الصورة التي يريدها.

صُنف يانيس، كأفضل مصوري الأخبار بالنسبة إلى جيله. فقد كان شغوفًا، يتمتع بحيوية فائقة، مكنته من التقاط صور إبداعية وفنية، تعاطف مع أحداثها، ليظهر للعالم حقيقة ما يجري بصمت، على الضفة الأخرى.

في أيار/ مايو 2000، تعرض يانيس لهجوم مسلح، عندما كان يغطي، إلى جانب زملاء له، الحرب الأهلية في سيراليون. لكنه نجا منه بإعجوبة، بينما قُتل أحد أصدقائه: كورت شورك من (رويترز). وتمكن هو من الزحف والاختباء وراء الأشجار على جانب الطريق، ساعات عدة، حتى اختفى المسلحون.

اعترف يانيس بقدرة الصورة على جذب انتباه الناس، وتغيير سلوكهم. وقدرتها على تغيير العالم، على أن تجعله أفضل، أن تجعله أكثر عدلًا. كان يراها لحظة سحریة فریدة لن تعید نفسھا أبدًا. من شأنها أن تكون رسالة، تجعل القتلة يفكرون مرتين، قبل أن يضغطوا على الزناد.

في مكاشفة ذاتية، أفصح يانيس عن بعض التفاصيل، عندما كان ينتظر قوارب الموت التي تحمل السوريين إلى شواطئ الجزر اليونانية، إذ قال: “كانت الجزيرة هادئة قبل بدء الموسم السياحي، كنتُ أنتظر في الليل اثنين أو ثلاثة قوارب. كنت أسمع صوت المحركات من الشاطئ. في الصباح ذهبتُ إلى فندق الكابتن إلياس المهجور، حيث تم وضع معظم المهاجرين واللاجئين لالتقاط مزيد من الصور. أبدأ العمل في السادسة والنصف صباحًا، وانتهي في منتصف الليل. استمر قدوم القوارب خلال الليل. وقبل الظهر توقفت بضع ساعات، لأن الشمس كانت قوية جدًا. كنت أتوقف عند الساعة الثانية ظهرًا، كي أرسل بعض الصور، ثم أبدأ مرة أخرى عند الرابعة مساء”.

في أحد نقاشاته، أمام لجنة (بوليتزر)، حول الصور التي التقطها إبان أزمة اللجوء السوري إلى أوروبا، قال: “مهمتي أن أخبركم القصة، ثم تقررون أنتم ما تريدون فعله. بعد الآن، تأكدوا أن لا أحد يستطيع أن يقول لكم: لم أكن أعرف”. وقبل أن ينتهي أعرب عن امتنانه لـ “جميع المتطوعين اليونانيين والأجانب الذين ساعدوني في الجزر والحدود الشمالية. لقد أثبتوا أن الإنسانية ما زالت على قيد الحياة”.

التقط يانيس آلاف الصور التي تنطق بمشاعر الخوف، والموت، والحب، والرهبة، والمجاعة، والتشرد، والغضب، واليأس، والشجاعة. وكان يرى نفسه في المكان الصحيح الذي مكنه من تغطية أفضل وأسوأ ما لدى الإنسانية من أفعال، يجب علينا أن نفهمها، وأن نفتح لها أعيننا، لا أن نديرها إلى الجانب الآخر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق