كلمة جيرون

ليست “ثورة كرامة” وحسب

يدعونها مجازًا “ثورة الكرامة”، أو “ثورة الحرية”، لأن الرعيل الأول، ممن انتفض وثار على النظام السوري، طالب أول ما طالب بالكرامة والحرية، لكنّها في واقع الأمر ثورة أشمل وأعمّ، وتحمل مفاهيمَ أوسع وأعمق من ذلك بكثير.

صحيح أن السوريين ضحّوا بالغالي والرخيص من أجل الكرامة، وهي قيمة معنوية وإنسانية وأخلاقية مهمة، إلا أن الثورة لم تكن من أجل الكرامة وحسب، بل هي ثورة سياسية واجتماعية شاملة، ثورة ضد ممارسات النظام السوري طوال خمسة عقود، وضد تمييز اجتماعي قاسٍ وفاضح، وضد أخلاق دونيّة زرعها النظام في البشر، منذ اليوم الأول الذي استلم فيه الحكم.

هي ثورة سياسية، لأن السوريين حُرموا من الحياة السياسية الطبيعية، طوال خمسين عامًا، ومُنعوا من تشكيل الأحزاب، ومن تأسيس الصحف ووسائل الإعلام، كما مُنعوا من التعبير عن الرأي، ومُنعوا من تنظيم أي تظاهرات سياسية، وفُرض عليهم حزب واحد ليكون قائدًا للدولة والمجتمع، كما فرض عليهم برلمان صوري تتحكم فيه الأجهزة الأمنية، وتغوّلت هذه الأجهزة في الدولة والحكومة، وتحكّم النظام في السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وفَرض على البشر انتخابات صورية، واستخدم العصا الغليظة مع من مارس السياسية، فاعتقل المعارضين أو قتلهم، ومنع الحركات الطلابية والعمالية المستقلة، وسيّس الدين، وأصرّ على أن يكون نظامًا دكتاتوريًا شموليًا أمنيًا قمعيًا لا يرحم.

هي ثورة اجتماعية، لأن النظام السوري فرض، خلال خمسين عامًا، واقعًا اجتماعيًا مريضًا، فحلل الحرام وحرّم الحلال، ونشر الفساد المالي وشجّعه، وأفسد القضاء وجعل الحقّ باطلًا والباطل حقًا، ودمّر النظام التعليمي، واحتقر أصحاب العلم وأكرم أصحاب الواسطة، ودمّر النظام الصحي والبيئي، وخرّب الرياضة، وعمّم الطائفية والتمييز، وأيقظ الشعور القومي والمذهبي، ودمّر علاقات البشر ببعضها، واحتقر التمايز الإنساني، وشجّع ظاهرة شيوخ السلطان، وتعامل مع سورية كمزرعة للنهب المُنظّم له ولأزلامه، ونهب مناقصات الدولة، وعطّل المنح الدولية التنموية، ونهب آثار سورية وتاجر بها، وباع الجولان، ونشر العشوائيات وثقافتها، ودمّر الطبقة الوسطى وقِيمها، وزاد فقر الفقراء وغنى الناهبين، وألغى دور المؤسسات الرقابية التشريعية والقضائية، ومنع نشاط منظمات المجتمع المدني، وتحكّم في ثروات سورية وحاضرها ومستقبلها، وأسس لفساد أخلاقي واجتماعي بلا حدود.

كانت الثورة السورية ضرورة، وليست ترفًا، وليس هناك ذنب للسوريين الباحثين عن حياة سياسية واجتماعية وإنسانية أفضل، إن تحوّلت إلى حرب مسعورة، ولا ذنب لهم، إن قرر النظام التمادي وحرق البلد، وتسهيل استباحته من الخارج، وفتح أبوابه للإرهاب الدولي وشذاذ الآفاق، وبالطبع ليس ذنبهم أنهم أرادوا مستقبلًا أفضل لأولادهم.

وكما يعتقد كثيرون أنها ثورة كرامة، هي ثورة سياسية ضد نظام لا يرحم، وثورة اجتماعية ضد أمراض مُدمرة نشرها، ومن حق السوريين أن يقوموا بالثورة، وأن يستمروا فيها حتى ينتصروا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق