ترجماتسلايدر

جذور مذبحة كرايست تشيرش (كنيسة المسيح)

كل أولئك الذين ساعدوا في النشر الواسع لأسطورة أن "المسلمين هم تهديد" أيديهم ملطخة بالدماء

صورة الغلاف: زهور بالقرب من مسجد لينوود Linwood في كرايست تشيرش، نيو زيلاند. كاي شويرير/ صور جيتي

بالنسبة إلى المسلمين، صلاة الجمعة تشبه قداس الأحد عند المسيحيين. إنه يوم صلاة الجماعة. نسافر إلى مساجدنا المحلية، ملاذنا الديني. تتجمع عائلاتنا في وقت مبكر من بعد الظهر لصلاة الجماعة. يركض الأطفال عبر القاعات، بينما يقرأ الإمام القرآن باللغة العربية. ونأكل معًا ونخالط الناس في الخارج.

هذا الأسبوع، بينما كنا -في الولايات المتحدة- نصلي الجمعة، يستعد المسلمون في كرايست تشيرش، نيوزيلندا، لتحضير شعائر الجنازات.

يصلي الناس في جميع أنحاء العالم، من أجل الموتى في كرايست تشيرش، بعد الهجمات الإرهابية على مسجدين. وتقول السلطات إن مواطنًا أستراليًا يبلغ من العمر 28 عامًا دخل مسجدين من دون استئذان، وهو يحمل بنادق هجومية، وقتل ما لا يقل عن 49 شخصًا. وقد وصفت جاكيندا آردين، رئيسة الوزراء النيوزيلندية، الحادث بأنه “عمل عنف استثنائي وغير مسبوق”.

النيّات والصلوات ليست كافية. هذه الهجمات هي الدلالة الأحدث على أيديولوجية معولمة ونامية للقومية البيضاء التي يجب معالجتها من مصدرها، وهي تضم السياسيين والشخصيات الإعلامية السائدة الذين يرعونها ويعززونها ويبررونها.

إذا كان من المتوقع تصديق بيان الرجل المسلح المؤلف من 74 صفحة، ومنشورات وسائط التواصل الاجتماعي؛ فإن الرجل كان مدفوعًا عبر بنية أيديولوجية مزدهرة على الإنترنت تجند الرجال عادة، وتسعى نحو جعلهم متطرفين، لإنقاذ “الحضارة الغربية” من “غزو أجنبي”.

لقد رأينا هذا من قبل. كانت مبررات الرجل المسلح لعمله الإرهابي مماثلة لتلك الواردة في البيان المكون من 1500 صفحة الذي نشره النرويجي أندرس بريفيك قبل أن يقتل 77 شخصًا عام 2011. أراد السيد بريفيك معاقبة أوروبا، بسبب تعدد ثقافاتها وترحيبها بالمهاجرين المسلمين. ويُقال إن بيانه وهجماته قد ألهمت كريستوفر حسون [ملازم في خفر السواحل الأميركي] القومي الأبيض، الذي قُبض عليه مؤخرًا بتهمة تخزين الأسلحة، مع الرغبة في ارتكاب القتل الجماعي، خصوصًا ضد المسلمين.

إذا كانت فكرة أن المسلمين يمثلون تهديدًا تبدو مألوفة؛ فإن هذا الأمر يرجع جزئيًا إلى أن الرئيس ترامب استخدم الفكرة للمطالبة بجدار لحماية أميركا من “قافلة” من مهاجري أميركا الوسطى الذين يسعون للجوء. كما أكد أن “الشرق أوسطيين” موجودون في القافلة، وهو ادعاءٌ اعترف بأنه لا يستطيع أن يدعمه/ يتراجع عنه. في أثناء رحلة صيفية إلى إنكلترا، حذر السيد ترامب من أن بريطانيا تفقد “ثقافتها”، وأن الهجرة قد “غيرت نسيج أوروبا، وإذا لم تتصرفوا بسرعة كبيرة؛ فلن تبقى أوروبا أبدًا كما كانت عليه”.

ودعمًا لحظر السفر الذي فرضه والذي يستهدف الدول ذات الأغلبية المسلمة، قال السيد ترامب: “أعتقد أن الإسلام يكرهنا”، متعلقًا -بسخافة- بكذبة رؤية المسلمين يحتفلون بهجمات 11 أيلول/ سبتمبر، وأعاد نشر مقاطع فيديو مزيفة على (تويتر) لمجموعة متطرفة مناهضة للإسلاميين، عن لاجئين مسلمين يرتكبون أعمال عنف. لا عجب أن يكون بيان كرايست تشيرش قد امتدح السيد ترامب باعتباره “رمزًا للهوية البيضاء المتجددة والهدف المشترك”.

من الواضح أن مخاطر القومية البيضاء لا تقتصر على الولايات المتحدة. يُعدّ هذا الهجوم تذكيرًا بأن هذه الأيديولوجية الخطيرة تهدد أيضًا مجتمعات المهاجرين في جميع أنحاء العالم، وأن القادة في جميع أنحاء العالم هم من يُغذونها.

في أستراليا، التي يقال إن الرجل المسلح منحدر منها، يسود الخطاب المعادي للمسلمين والخوف من الأجانب.

في عام 2015، نظمت حركة تدعى “استعادة أستراليا” [حركة يمينية متطرفة] احتجاجات ضد “تطبيق الشريعة في أستراليا” و”تعليم الإسلام في المدارس الحكومية”. وأفادت “المحادثة” بأن اللافتات التي عرضتها المجموعة في تجمع حاشد كُتب عليها “الإسلام عدو للغرب”.

إن أحد أهداف السياسة الرئيسة للحزب السياسي اليميني المتطرف تحالف الحرية الأسترالي هو “إيقاف أسلمة أستراليا”. ويحذر موقعه على الإنترنت من أن “الإسلام ليس مجرد ديانة، إنه أيديولوجية شمولية ذات تطلعات عالمية”.

بينما وصف سكوت موريسون، رئيس الوزراء الأسترالي، المشتبه به، بأنه شخصٌ “إرهابي عنيف ومتطرف يميني”، ردّ فريزر أنينغ، السيناتور الأسترالي على هجوم كرايست تشيرش، بإلقاء اللوم على “برنامج الهجرة الذي سمح للمتعصبين المسلمين بالهجرة إلى نيو نيوزيلندا، في المقام الأول”. يبدو أن السيناتور يتشارك مع القتلة الجماعية بمشاعر مماثلة.

عمال الإسعاف ينقلون رجلًا خارج أحد المساجد في وسط كرايست تشيرش، نيوزيلندا، يوم الجمعة. مارك بيكر/ أسوشيتد برس

في بيانه، كتب المسلح الذي عرّف نفسه بأنه “رجل أبيض سليم”، أنه كان يقوم بالهجوم “بهدف خفض معدلات الهجرة مباشرة إلى الأراضي الأوروبية، عن طريق تخويف الغزاة أنفسهم وإزاحتهم جسديًا”.

يكشف البيان عن هوس التفوق الأبيض، حيث ناقش معركة فيينا عام 1683، التي يمجّدها القوميون البيض والسيد بريفيك، بكونها اللحظة الحاسمة التي أوقفت فيها أوروبا تقدم الإمبراطورية العثمانية، وحمت نفسها من الإسلام. يبدو أن النص المكتوب على أسلحة المسلح يشير إلى المعارك العسكرية مثل “حصار عكا” 1189، وهو انتصار للصليبيين المسيحيين الساعين لاستعادة القدس من المسلمين. كما أنه ذكر المسلح ألكسندر بيسونيت، الذي أطلق النار وقتل ستة أشخاص، في أحد مساجد كيبيك [كندا] عام 2017، وكان قوميًا أبيض معروفًا باستيائه من المهاجرين ومعاداته المسلمين.

كانت أفكاره -ومصادرها وأنصارها- مألوفة بالنسبة إلي. بصفتي باحثًا في التحقيق الذي أجراه مركز عمل التقدم الأميركي 2011 تحت عنوان (شركة الخوف: جذور شبكة الإسلاموفوبيا في أميركا) قمت بربط المؤامرات المتطرفة المعادية للمسلمين -مثل التهديد المختلق للشريعة في أميركا- بمصادر التمويل ومراكز الأبحاث والشخصيات الإعلامية والمجموعات الشعبية والسياسيين الذين أنشؤوها وروّجوا لها.

لقد عملت هذه الكيانات معًا لتعزيز رسالة مفادها أن المسلمين الأميركيين متطرفون بطبيعتهم، ويمثلون “قنبلة موقوتة ديموغرافية” ستصيب السكان البيض. استشهد السيد بريفيك مرارًا وتكرارًا بهذه المجموعات والأشخاص، والكثير منهم مرتبطون الآن ارتباطًا وثيقًا بإدارة ترامب. وعلى الرغم من أنه لا ينبغي إلقاء اللوم عليهم عن عنف السيد بريفيك، فإن مارك سيجيمان، وهو ضابط سابق في وكالة المخابرات المركزية ومستشار في قضايا الإرهاب، قال مع ذلك فإن السيد بريفيك يخرج من الشبكة الأيديولوجية ذاتها.

من بين الدوافع الرئيسة للقوميين البيض، نظرية المؤامرة “الاستبدال العظيم” [وهي نظرية للباحث الفرنسي رونود كامو ابتدعها عام 2012، وتقوم على فكرة أن المجتمعات الأوروبية، والفرنسية على التحديد، تعيش حالة من استبدال الغالبية البيضاء من غير البيض القادمين من شمال أفريقيا والصحراء والساحل وغرب افريقيا، استبدال المسيحيين بالمسلمين]. إنهم يخشون أن يحلّ اليهود والسود والمسلمون محل البيض ويخضعونهم في النهاية. غالبًا ما يُنظر إلى اليهود على أنهم الرأس الشيطاني المخيف للمؤامرة السرية، مركز الأعصاب، الذين يستخدمون ثروتهم وقوتهم اللانهائية لتقليل وإضعاف البيض.

في تشرين الأول/ أكتوبر، دخل روبرت باورز إلى كنيس شجرة الحياة في بيتسبرغ، وقتل 11 من المصلين اليهود. لقد نشر على شبكة التواصل الاجتماعي اليمينية “غاب” أن وكالة إعادة توطين اللاجئين اليهود “تحب أن تجلب الغزاة الذين يقتلون شعبنا” و”لا أستطيع الجلوس على الحياد، وأراقب الناس وهم يذبحون”. وأعاد مشاركة منشور حول معاقبة “اليهود الشريرين القذرين” لجلبهم “مسلمين شريرين قذرين إلى البلاد”. وهذا يردد صدى نظرية المؤامرة المعادية للسامية، بأن الملياردير اليهودي جورج سوروس موّل “قافلة” المهاجرين، وهي كذبة روّج لها الرئيس ترامب وغيره من الشخصيات البارزة المحافظة.

النائب ستيف كينغ، وهو جمهوري من ولاية أيوا، تساءل مؤخرًا: أيها “القوميون البيض، المتفوقون البيض، الحضارة الغربية، كيف أصبحت هذه اللغة كريهة؟ وغرّد ذات يوم على (تويتر): “لا يمكننا استعادة حضارتنا مع أطفال شخص آخر”، في إشارة إلى أطفال المهاجرين اللاتينيين. وقد أوصى ستيف بانون، كبير مستشاري الرئيس ترامب السابق والرئيس السابق لموقع “بريتبارت نيوز”، بالرواية العنصرية البائسة (مخيم القديسين) [للروائي الفرنسي جاك راسبيل، نشرت في السبعينيات] وفيها غزا المهاجرون البنيون فرنسا واستولوا عليها.

بينما كانت أخبار إطلاق النار النيوزيلندي تتوالى، نشر الرئيس ترامب على (تويتر) رابطًا -حذفه منذ ذلك الحين- على الصفحة الرئيسة لموقع بريتبارت نيوز، وهو موقع ينشر بانتظام نظريات المؤامرة المعادية للمسلمين والمهاجرين.

حول التعرف إلى المذبحة في كرايست تشيرش، أرسل إلي صديق مسلم رسالة: “كيف سنبقي أطفالنا آمنين؟”

لم يكن لدي إجابة جيدة. لكنني أعرف أن التهديد الذي نواجهه ليس مجرد تهديد من إرهابيين فرديين. إنه الأيديولوجية العالمية للقومية البيضاء والتفوق الأبيض. علينا أن نأخذ الأمر على محمل الجد، واستدعاء السياسيين والأكاديميين والشخصيات الإعلامية الذين يقدمون لها منصة تحت ستار استكشاف الجانبين، وتعزيز النقاش أو تجنب الصواب السياسي.

الثمن باهظ جدًا. انظر فقط إلى كرايست تشيرش والمصلين الـ 49 الذين كان ينبغي عليهم العودة إلى بيوتهم وعائلاتهم ومجتمعهم، بدلًا من حضور صلاتهم الأخيرة.

اسم المقالة الأصلي The Roots of the Christchurch Massacre
الكاتب وجاهات علي،Wajahat Ali
مكان النشر وتاريخه نيويورك تايمز،New York Times، 15/3
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2019/03/15/opinion/new-zealand-mosque-shooting.html
عدد الكلمات 1240
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق