أدب وفنون

أحذية فان غوغ

لمَن يعود كل هذا الأسى!

“على جلد الحذاء تقبع رطوبة التراب ووفرته.

تحت النعلين

تنزلق وحدة الطريق

بينما المساء يتقدم…”

الحذاء هو حالة تعبيرية عامة، واكبت المجتمعات المصابة بوهم الاضطهاد في العالم على مدار التاريخ، وصولًا إلى إجادة فن “الطاعة”.

ولكنه اعتبر عملًا “نضاليًا- بطوليًا”، عندما “رجم” الصحافي العراقي الرئيس الأميركي جورج بوش، ليصبح النضال بالحذاء هو الدليل القاطع على سقوط إمكانية النضال بالعقل!

غير أن الحذاء في الثقافات الشعبية ينقلنا من “المفاخرة” إلى فن “الطاعة” أو إلى الأسى والفقر. فها هو فنسنت فان غوغ يسير هائمًا في شوارع باريس، باحثًا عن حذاء، ولأنه لا يملك ثمن حذاء جديد، يقرر شراءه مُستعملًا، مِن أحد أسواق السلع المستخدمة. ثم يكتشف بعد عدة أيام أنه غير مريح، ولا يصلح للمشي، فيقرر استخدامه في الرسم، لتصبح لوحة الحذاء أكثر الأحذية إثارة للجدل، وشهرة في تاريخ الفن الحديث.

“حذاء”، 1886، هي لوحة للرسّام الانطباعي وما بعد الانطباعي الهولندي فان غوغ (1853 – 1890) رسمها في باريس، لكنها -كمُعظم لوحاته- لم تلق أي قبول خلال حياته، إذ إنه منذ بدأ الرسم حتى وفاته، لم يبع غير لوحة واحدة فقط من لوحاته، في الوقت الذي لاقت استحسان الجماهير والفلاسفة، حين عُرضت اللوحة في معرض أمستردام 1930، وكان من بينهم الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر (1889 – 1976) إذ أصبحت اللوحة مادة دسمة لديه؛ حيث صال وجال في أحذية فان غوغ، فقد اتخذ منها موضوعًا رئيسًا لمقالاته أو موضوعًا للمراسلة بينه وبين ماير شابيرو المؤرخ الفني الليتواني، تلك المراسلات التي التقطها جاك دريدا فيلسوف التفكيك الفرنسي، ليحللها ويفككها في كتابه “الحقيقة في الرسم” 1987. الذي قدم فيه قراءته الخاصّة للأحذية، في مهمّة جديدة مُغايرة لمهمة قراءة اللوحات. ليخرج بإجابة على سؤال: “هل يخبرنا الفن ما الحقيقة؟”.

والتفكيك الذي يمارسه دريدا هنا ليس عن خصومة مع أفراد بعينهم أو فلسفات بعينها، هو فقط يُعري النصوص ويفكك المُسلمات، موضحًا أشكال الخلل الذي يعتريها.

فهذا الحذاء، مثلما أبلته الخُطى والطُرُق والسنون، أبلاه الفلاسفة تشريحًا وتفكيكًا وقراءة حتى كفَّ عن أن يكون مُجرد حذاء، لقد أصبح مُحملًا بثقل العديد مِن الأسئلة الفلسفيّة والقضايا الوجودية. فهل يعدنا الحذاء بثورة ما، أم يعدنا بالإجابة عن طرح دريدا الفلسفي، ويخبرنا ما الحقيقة؟ أو ربما يعدنا بهوية تاريخيّة لصاحبه؟ هل هو حذاء رجُل نبيل أبلاه الزمن؟ أم حذاء فقير أو فلاح ريفي درويش، أو حذاء رجل من الحضر؟ ربما هذا الحذاء هو حذاء فنسنت نفسه؛ جزء مِن هويّة فان غوغ، الشاب الهولندي المُعدم الذي يظهر على حذائه مِن المعاناة ما يكفي، لنتخيل كيف كانت معاناة روحه بالمقارنة. وربما يحملنا حذاؤه على فهم أوجه تلك المعاناة التي دفعته في النهاية إلى الانتحار!

فان غوغ الذي لم تطل حياته أكثر من سبعة وثلاثين عامًا، كان يرسم ويكتب يوميًا، وكتاباته اقتصرت على رسائله للمقربين منه، أغلبها لأخيه ثيو؛ حيث شكلت رسائله اليومية سجلًا لعصره وسيرة لحياته.

كانت لوحاته كلها تصوغ حياة الفلاحين بأثوابهم الرثة، وأحذيتهم الفقيرة، هؤلاء الفلاحين الذين تعود لهم الأهمية الكبرى، والسبب الرئيس في خيرات المجتمع، فالزراعة هي أساس وجودهم، لكن الفلاحين بقوا منسيين في أراضي الأسياد والمُلاك، الذين يبحثون عن لوحات لأثاث منزلي ثمين: فضيات، زهور تبدو يانعة وفواكه لامعة، وجوه جميلة لعائلات معروفة.. وإلى آخر ما يمس الرفاهية والجمال البصري. إذ كانوا يقتنون من أجل البهجة، وتعليق ما لديهم على جدرانهم الزاهية، لتتجلى المسرات بين كل ركن وزاوية أينما يعيشون.

انشغل فان غوغ برسم حصاد الأرض ونباتاتها الصفراء الحزينة، وقيلولة العاملين في الأرض، حتى أبحر في حياتهم الخاصة، ولم يجدها سوى بائسة مع انكساراتهم التي لا تنتهي في مجمل حياتهم، لا يجدون سوى قوت اليوم بعد نهار طويل من العمل، فاستراحة يوم لا يقابلها سوى الجوع والحرمان من وجبة، أصلًا هي لمن يعمل.

وها هي إحدى رسائله لأخيه ثيو، التي كتبها بين سنتي (1883 و1885) نرى فان غوغ مُنقبضًا مِن الحضر، باسطًا يداه نحو الريف: “حينما أقول إنّي رسّام الريفيّين، فإنّي كذلك في واقع الأمر. وسترى، على نحو أفضل، فيما بعد، أنّي أشعر ها هنا بأنّي في بيئتي”.

لذلك لا ندري -فعلًا- هل اختار فان غوغ أن ينتصر للفقراء والمهمشين. أم أنه رسم مجرد حذاء على لوحة معلقة الآن في أروقة المتاحف.

وعليه، فإن معرفة نَسَب الحذاء، ولمن يعود، ليس هزلًا أو مُجرد دردشة فلسفيّة نخبوية، فنسب الحذاء ينقلنا إلى معرفة “ما وراء القدم وما وراء الحذاء”.

اللوحة: فان غوغ

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق