ترجماتسلايدر

حتى الآن، هذا ليس ربيعًا عربيًا بعد، لكن الشرر بدأ في التطاير

صورة الغلاف: متظاهرون جزائريون يهتفون بشعارات في أثناء احتجاج في الجزائر العاصمة، يوم 15 آذار/ مارس (محمد مسرة/ وكالة حماية البيئة/ شترستوك)

قد يبدو أن صور الاحتجاجات الجماهيرية في العواصم العربية، حيث يطالب المتظاهرون بتنحي الحكام الفاسدين والمعمرين، تنطوي على مفارقة تاريخية. ألم يحدث/ يكن الربيع العربي منذ سنوات قليلة؟ وألم ينتهي بالانقلابات والحروب الأهلية التي أعادت الوضع الراهن الاستبدادي القديم؟!

حسنًا، نعم، ولا. نعم، عبد الفتاح السيسي بصدد تثبيت نفسه كدكتاتور مدى الحياة في مصر، وبشار الأسد يحكم حطام سورية، وممالك الخليج الفارسي، بقيادة المملكة العربية السعودية، هي أكثر قمعًا ووحشية من أي وقت مضى. لكن التظاهرات الشعبية في الجزائر أجبرت الرئيسَ عبد العزيز بوتفليقة على سحب ترشحه لفترة رئاسية أخرى. وفي السودان، تستمر الاحتجاجات اليومية، على الرغم من التنازلات التي يقدمها نظام عمر حسن البشير والقمع العنيف الذي يمارسه. في الأردن، تظاهر الناس في جميع أنحاء البلاد، الشهر الماضي، للاحتجاج على الفساد. وفي المغرب، انتهت تظاهرة كبيرة للمعلمين قبل أسابيع قليلة، بهتافات تطالب بـ “إنهاء الدكتاتورية”.

هذا ليس، على الأقل حتى الآن، ربيعًا عربيًا آخر. لم يسقط أي نظام. في الجزائر، ما تزال زمرة الجنرالات والبيروقراطيين ورجال الأعمال الذين دعموا بوتفليقة تحت السيطرة. إن العديد من الذين شاركوا في ثورات 2011 ماتوا أو سُجنوا أو أُحبطوا.

تقول ميشيل دون، وهي باحثة في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، تنبأت بالثورة في القاهرة: “يدرك كثيرون، ومنهم المصريون، أن تكاليف انتفاضة أخرى ستكون مرتفعة. إنهم أقل تفاؤلًا مما كانوا عليه في عام 2011 بشأن ما قد تكون عليه النتائج النهائية”.

ومع ذلك، تشير الموجة الجديدة من الاضطرابات إلى استنتاجين، يتعارضان مع الحكمة التقليدية في واشنطن، خاصة داخل إدارة ترامب. الاستنتاج الأول، على حد تعبير دون: “لقد أصبح الجمر مجددًا جافًا جدًا في المنطقة، وبدأ الشرر في التطاير”. والاستنتاج الثاني: فشل ترميم الاستبداد الذي كان من المفترض به أن يعيد الاستقرار السياسي إلى الشرق الأوسط العربي، ويفتح الطريق أمام التحديث الاقتصادي.

يتخيل السيسي ومحمد بن سلمان في المملكة العربية السعودية أن بإمكانهما اتباع نموذج الاستبداد الرأسمالي الذي تطبقه كل من الصين وروسيا، ولكن على عكس تشي جين بينغ الصيني، لم يتمكنا من تصدير السلع الاقتصادية. فالفساد ورأسمالية الدولة الخرقاء والافتقار إلى الكفاءة أمورٌ تؤدي إلى هروب الاستثمارات الأجنبية التي هم بأمس الحاجة إليها. يهدر النظامان عشرات المليارات من الدولارات على مشروعات ضخمة، مثل مبادرة تطوير الأخيرة للسيسي في المدن الجديدة التي طلب فيها أن تُطلى جميع المباني المبنية من القرميد في القاهرة بألوان متجانسة.

بشكل مشابه، في الجزائر، فإن النظام المتحجر كان حائرًا حول كيفية تعويض انخفاض عائدات النفط والغاز. انخفضت الاحتياطيات الأجنبية بمقدار النصف منذ عام 2013، وارتفعت البطالة إلى 11 في المئة. إنه ضعف ذلك [22 في المئة] بالنسبة إلى الشباب، وهو أمرٌ لا يثير الدهشة، لأن ثلثي سكان الجزائر البالغ عددهم 42 مليون نسمة تقل أعمارهم عن 30 عامًا.

تعاني معظم المنطقة آثار الخليط السام من سوء الإدارة والفساد. بعيدًا من الازدهار المشابه لما هو قائم في الاقتصاد الصيني أو الروسي، فإن المجتمعات العربية تعاني حالة كساد وإحباط من جديد. لخص ليزلي كامبل، وهو مسؤول برنامج مخضرم في المعهد الوطني الديمقراطي، المناخَ الإقليمي، في مقال حديث، بالقول: “إن الغضب من الغطرسة وإفلات النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية من المساءلة، وإخفاقات الحكم المستمرة التي تفاقمت بسبب الفساد الوقح والإنفاق الحكومي المفرط، تذكرنا بالمزاج المضطرب الذي كان سائدًا في عام 2010 وبداية 2011”.

من المؤكد أن الاضطرابات ستمتد إلى البلدان ذات الأنظمة السياسية الأكثر ليبرالية. تونس، وهي الدولة الوحيدة التي خرجت من الربيع العربي كدولة ديمقراطية، مبتلاة بالإضرابات والتظاهرات. والعراق الذي عاش أعمال الشغب في الصيف الماضي بسبب نقص الكهرباء والماء، والاحتجاجات العنيفة في الضفة الغربية أجبرت رئيس وزراء السلطة الفلسطينية على الاستقالة في كانون الثاني/ يناير.

ومع ذلك، كما أشار كامبل، فإن هذه الدول لديها “مجال للنقاش، وبعض حرية التعبير، ومؤسسات سياسية -على الرغم من أنها بعيدة من الكمال- يمكنها استيعاب بعض مطالب التغيير والتجاوب معها”. تلا الاضطراب في العراق تغيير سلمي وديمقراطي للحكومة، ورئيس الوزراء الجديد ورئيس الجمهورية معتدلون، وملتزمون باستئصال الفساد وتحسين الخدمات. ما يزال العراق دولة بعيدة من الاستقرار، ولا يزال يهدده المتطرفون السنّة في الدولة الإسلامية (داعش) والميليشيات الشيعية الموالية لإيران. لكنه يبدو جيدًا مقارنة بمصر والمملكة العربية السعودية، حيث الرّد الوحيد على الاضطرابات، أو حتى المعارضة السلمية، هو القمع الوحشي.

أسست إدارة ترامب استراتيجيتها للشرق الأوسط على الأنظمة الاستبدادية. وراهنت على أن سيسي مصر ومحمد بن سلمان في المملكة العربية السعودية، سوف يُرسيان استراتيجية إقليمية تهدف إلى مواجهة إيران. الافتراض هو أن أنظمتهم توفر الاستقرار. لهذا السبب، لم تبذل الإدارة أي محاولة لكبح قمعهما. وبالتالي، إذا كان هناك ربيع عربي آخر؛ فسيكون الرئيس ترامب أحد الخاسرين.

اسم المقالة الأصلية This is not yet a second Arab Spring — but sparks are beginning to fly
الكاتب جاكسون دييهل،Jackson Diehl
مكان النشر وتاريخه واشنطن بوست،The Washington Post، 17/3
رابط المقالة https://www.washingtonpost.com/opinions/global-opinions/this-is-not-yet-a-second-arab-spring–but-sparks-are-beginning-to-fly/2019/03/17/396bf3b8-466e-11e9-90f0-0ccfeec87a61_story.html?utm_term=.bff9b3b94f98
عدد الكلمات 732
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق