تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

بعض من تاريخ البعث وحكم عسكره

كان منيف الرزاز، آخر أمين عام لحزب البعث، على صواب، يوم عنون كتابه بـ (التجربة المرّة) عندما تحدث عن تجربته مع البعث، ذلك أن الشعب السوري عانى، بالفعل، تجربة طويلة ومريرة مع حزب البعث العربي الاشتراكي.

تمر الذكرى الأليمة، لتصدي حزب البعث لحكم سورية، في صبيحة الثامن من آذار/ مارس 1963، وقد مضى أكثر من نصف قرن من الزمن، والبعث يحكم عكس إرادة الشعب السوري، بالحديد والنار، وقد أثبت قمعُه للثورة السورية وتدميره لسورية، إرهابَ الدولة التي أسسها البعث وعسكره.

في صبيحة ذاك اليوم، أذيع البلاغ رقم واحد لإنهاء عهد الانفصال، الذي حاول بعد فشل الوحدة المصرية – السورية، أن يعيد سورية إلى عهد يتميز بشيء من الديمقراطية، ولو بشكل هيولي، فكان العسكر مرة ثانية بالمرصاد لهذه الديمقراطية الواعدة، كما وصفها جورج طرابيشي أولًا، في 28 آذار/ مارس 1962 حيث انقض العسكر مرة أخرى على السلطة، عن طريق “الضباط الشوام”، وحاول كل من الضباط الناصريين والبعثيين استغلال الوضع؛ فكان تمرد حلب: الناصريون بقيادة جاسم علوان، والبعثيون بقيادة حمد عبيد، وكان الفشل مصير هذا التمرد، ليعود ناظم القدسي إلى سدة الرئاسة، مع حكومة مدنية وبرلمان منتخب، بشكل شبه ديمقراطي.

ما لم يستطع أن يحققه الضباط في هذه المرحلة نجحوا في تحقيقه، في الثامن من آذار/ مارس 1963، حيث قام تحالف جديد بقيادة زياد الحريري، ومحمد الصوفي، ولؤي الأتاسي، والضباط البعثيين، بحركة انقلابية كان من المفروض أن يحكموا سورية بجبهة سياسية، ولكن البعثيين غدروا بالقوى الناصرية، من خلال التضييق عليهم، أولًا بتسريحهم من الخدمة، وثانيًا بإسقاطهم نهائيًا، في 18 تموز/ يوليو 1963، وتصفية العديد منهم بطرق دموية.

حتى الآن، لم يؤرخ أحد لتجربة البعث تأريخًا علميًا وموضوعيًا؛ لأن تواتر الانشقاقات في حزب البعث أدى إلى أن يسعى أحدهم لطمس الآخر. بالطبع جرت محاولات لكتابة هذا التاريخ، وكانت أطروحة الدكتور مصطفى الدندشلي، بعنوان “حزب البعث العربي الاشتراكي، الجزء الأول من عام 1947 حتى عام 1963″، ولم يصدر الجزء الثاني، وباعتقادي أنه لم يصدر، لأن الكاتب تخوف أن يستمر في هذا التاريخ الأسود، فيدفع بذلك ثمنًا غاليًا. وهناك دراسة ثانية قام بها هاني الفكيكي (أوكار الهزيمة، تجربتي في حزب البعث العراقي) حيث كشف بدقة أن البعث، قبل استلام السلطة، كان مجموعة من الشلل، تستند إلى رومانسية قومجية فارغة، لبعض مقولات ميشيل عفلق وصلاح البيطار، وغيرهم من “مفكري” البعث.

وصل البعث إلى السلطة، في كل من العراق وسورية، ووُضِع قادته أمام حقيقة لم يحسبوا لها حسابًا، بأن سيطرتهم على الحكم غير كافية، فلا برنامج سياسيًا لديهم، وكذلك لا برنامج اقتصاديًا، لبناء “دولة البعث” حسب تعابيرهم؛ فاضطروا إلى عقد المؤتمر القطري الثالث ليخرجوا بالبرنامج المرحلي، لكلا القطرين العراقي والسوري، وكان اليسار هو المسيطر على المؤتمرين، وهذا ما أعطى البرنامج المرحلي لمسات واضحة، لكل من ياسين الحافظ وجورج طرابيشي بشكل مباشر، وبشكل غير مباشر لإلياس مرقص وعبد الكريم زهور عدي وجمال الأتاسي الذي غادر البعث احتجاجًا على الانفراد بالسلطة.

تلا المؤتمرات القطرية، المؤتمر القومي السادس، الذي كان أطول وأهم مؤتمر يعقده البعث، دون أن يكون للعسكر أي دور سياسي، ولكنهم كانوا مستعدين للانقضاض على اليسار البعثي، فكانت أحداث تشرين الثاني/ نوفمبر 1963 في العراق، ليتأمر اليمين البعثي، بقيادة حازم جواد، على الجناح اليساري بقيادة حمدي عبد المجيد، حيث تم طرد كل قيادة العراق اليسارية، وصُفّي الحرس القومي بطريقة دموية.

ما حدث في العراق، إضافة إلى انشقاق اليسار البعثي في كل من سورية والعراق ولبنان، دفع إلى الواجهة العسكرَ، وعوضًا من أن يُمسك بزمام الأمور الجناحُ المدني، سيطر عسكر البعث على حزب البعث، في البداية مع أمين الحافظ، ومن ثم مع جماعة 23 شباط 1966 حيث كانت مرحلة تحويل الجيش من جيش وطني إلى جيش عقائدي، فكانت سيطرة صلاح جديد واضحة، في أول مرحلة من حكم اللجنة العسكرية، بعد تصفية الأعضاء التاريخيين في اللجنة، لتتمحور على الثنائي جديد – الحافظ، حيث كانت بداية الطائفية في الدولة السورية، حيث أسس حافظ الأسد مع أخيه رفعت “سرايا الدفاع”، ذات اللون الطائفي الواضح للعيان، لتكون رديفًا للجيش في حال عدم استطاعة حافظ الأسد السيطرة على الجيش العقائدي، ولكن في النهاية سيطر حافظ الأسد على كل الدولة السورية، حيث كانت بداية الفساد والممارسات الطائفية.

طوال كل تلك السنوات، كان الشعب السوري يعاني القمع والاضطهاد، عن طريق إحكام سيطرة الأجهزة الأمنية التي تكاثرت بشكل سرطاني يأكل جسد الشعب السوري. يتحمل البعث مسؤولية قبوله أن يكون واجهة مدنية للعسكر المتسلط على نظام الحكم، وللتاريخ أقول: قامت في سورية العديد من الحركات الرافضة لهذا الواقع، وقضى عليها النظام البعثي بطرق دموية، وكانت قمتها في 1982، حيث دُمّرت حماة على رأس سكانها.

استقرت الأمور لحكم العسكر، والأجهزة الأمنية، حيث حاولوا أن يدمروا الإنسان السوري، ولكن هذا الأخير كان كطائر الفينيق ينتفض ضد هذا النظام الفاشي منذ ثماني سنوات، وهو يقدم الضحايا لتصل إلى مستوى خيالي، وأثبت بطولات سيتكلم عنها التاريخ.

هل يتحمل البعث مسؤولية ما يحدث اليوم في سورية، من دمار وخراب وشلال دم؟ نعم، هو يتحمل جزءًا مهمًا من المسؤولية، وربما يكون الجزء الأكبر، لأنه كان البغل الذي يقود العربة، بغض النظر عن من يمسك برسن هذا البغل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق