اقتصادسلايدر

بروكسل 3: إعادة الإعمار بعد إصلاح سياسي بمواصفات دولية

7 مليار دولار تحت يافطة مساعدة اللاجئين السوريين وجوارهم

اختتم مؤتمر (بروكسل 3) “لدعم مستقبل سورية والمنطقة” في نسخته الثالثة، مساء الخميس، أعماله بجمع حوالي سبعة مليارات دولار، تحت يافطة “مساعدة اللاجئين والنازحين السوريين”.

بغياب ممثلي الحكومة السورية والمعارضة، وحضور 78 وفدًا، من بينهم 56 دولة و11 منظمة إقليمية ومؤسسات مالية دولية، إضافة إلى 11 وكالة تابعة للأمم المتحدة، انعقد المؤتمر الثالث حول “دعم مستقبل سورية والمنطقة” أيام 12 و14 آذار/ مارس 2019 بضيافة الاتحاد الأوروبي، وشاركت في رئاسته الأمم المتحدة.

جددت بروكسل الثالثة الالتزام السياسي والإنساني والمالي للمجتمع الدولي، بدعم الشعب السوري والبلدان المجاورة والمجتمعات الأكثر تضررًا من النزاع الممتد منذ أعلن رئيس النظام السوري بشار الأسد الخيار العسكري، في مواجهة احتجاجات الشعب السوري المناهضة لحكمه الذي يمتد سبع عشرة سنة خلت، وجاءت ملحقًا لثلاثين سنة أدار فيها الأسد الأب سورية، بمنظومة استخباراتية رعت عمليات النهب المنظم الذي أدارته منظومات الفساد.

أعلن المشاركون في (بروكسل 3) تعهداتهم لكل من سورية والمنطقة، بتقديم 7 مليارات دولار لعام 2019 وتعهدات تقارب 2.4 مليار دولار متكررة سنويًا، حتى 2020 وما بعده. إضافة إلى ذلك، أعلنت المؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة تقديم نحو 20.7 مليار دولار، على شكل قروض بشروط ميسرة.

ألمانيا: إعادة إعمار سورية بعد انتقال سياسي مقبول دوليًا

النائب السابق في البرلمان الألماني جمال قارصلي قال، في حديث إلى (جيرون): “إن الموقف الألماني واضح جدًا، ويتلخص بأن لن يكون هناك أي مساهمة في عملية إعادة إعمار سورية، ما لم يكن هناك انتقال سياسي معترف به عالميًا، ولن يُقبل أي انتقال سياسي معترف به من الأطراف الداعمة لنظام الأسد فقط (روسيا وإيران) وقبل أن يتوفر الأمن والسلام للاجئين الذين سيعودون إلى بلدهم. وألمانيا لديها اهتمام بأن يعود قسم من اللاجئين الذين وصلوا إلى ألمانيا، وإذا لم يتم الانتقال السياسي؛ فلن يستطيع أحد العودة إلى سورية”.

لن يتم دعم نظام بشار الأسد

لخص قارصلي السياسة الألمانية بأنها “تدعم إعادة الإعمار وتمكين اللاجئين السوريين في دول الجوار، على ألا يتم دعم نظام بشار الأسد”، وهنا تكمن المهارة السياسية الألمانية. وأكد قارصلي أن لن يتم دعم عملية إعادة الإعمار، من دون إنجاز تحول سياسي تقبل به أغلبية المجتمع السوري، ويؤمن بالديمقراطية والشفافية والأمن والأمان في البلد “سورية”.

أوضح قارصلي أن الطرف الروسي يضغط على ألمانيا والاتحاد الأوروبي، لأنه يريد الخروج من الورطة التي وقع فيها والمستنقع الذي دخل فيه، والخروج كمنتصر، وبذلك تأخذ روسيا صك براءة عن الأعمال التي قامت بها، إضافة إلى الفوائد التي جنتها في سورية من تجارب أسلحتها، ومنافع عملية إعادة الإعمار، على مبدأ سياسة المنشار في اقتطاع المصالح عند الدخول مرة، وعند الخروج يقتطع مرة أخرى.

الأسد يوفر الأموال لإعادة نصب التماثيل

ما لفت الأنظار في ما جرى في درعا، خلال الأيام الماضية، من إعادة ترميم تماثيل حافظ الأسد، أن النظام يملك الأموال لتنفيذ مشروعات إعادة الإعمار، ولا داعي لدعمه، وتشير التظاهرات الاحتجاجية الشعبية التي عادت للانطلاق من درعا إلى أن مؤتمر (بروكسل 3) لن يصل إلى نتيجة، ما لم يحصل تحول سياسي، وتشير الأوضاع إلى أنه لن يتم أي شيء إلا بعد حصول تحول سياسي يرضي أغلبية الشعب السوري.

الجاسم: الحدث السوري يؤثر في السياسة الداخلية للاتحاد الأوروبي

الخبير الاقتصادي طلال الجاسم قال لـ (جيرون): إن أحداث سورية هزت الاتحاد الأوروبي بعمق، وأثرت حتى في معادلات السياسة الداخلية لدوله، من خلال ملف الهجرة الذي أصبح الموضوع الأهم في كل الانتخابات الأوروبية، وعلى الرغم من ذلك لم تبادر أوروبا، بالشكل المرجو، للقيام بعمل قد ينهي الحرب في سورية؛ فهي اكتفت بالدعم الإغاثي والمدني إلى جانب دعمها لمسار جنيف، ويتوقع أن يكون لأوروبا وشركاتها الدور الأكبر في إعادة الإعمار، لأنها قادرة على ذلك وتملك الإمكانات والتكنولوجيا اللازمة للقيام بأعمال كبرى كهذي.

السوريون يعولون على دور أوروبي فعّال يساعدهم في تحول سورية المستقبل إلى دولة حرة، تكون فيها كرامة الإنسان مصانة، ولكن وضع أوروبا والتحديات التي تواجهها داخليًا وخارجيًا يحولان دون لعب هذا الدور.

لا تمويل أوروبيًا من دون انكفاء إيراني عن سورية

مصادر أوروبية ألمحت، وفقًا للجاسم، إلى أنه سيتم تمويل إعادة الإعمار بشكل جزئي، إذا استطاعت الحكومة السورية السيطرة على الأرض، وفرضت شيئًا من الاستقرار (المهم لأوروبا) بدعم روسي وانكفاء إيراني، وهذا الأمر مرشح للحدوث، بحسب المعطيات المتوفرة على الأرض حاليًا، وذلك لأن عدم دعم إعادة الإعمار سيؤدي إلى دورات عنف أكثر اتساعًا، وهذا ليس في صالح “إسرائيل” ولا أوروبا.

وإذا وجد الأوروبيون أنفسهم مضطرين إلى تمويل إعادة الإعمار، على أقل تقدير؛ فسيطلبون ضمانات لذلك، وأن من يقوم بهذه المهمة هم رجال أعمال سوريون موثوقون لديهم، لا عبر أشخاص جمعوا ثرواتهم بالامتيازات، أو هم ضمن حلقة النظام السوري أو الحرس الثوري الإيراني و(حزب الله).

لا تمويل أوروبيًا من دون اتفاق سياسي مقبول دوليًا

بيّن الجاسم صعوبة تمويل عملية البناء في سورية، من دون اتفاق سياسي؛ فالدول الأوروبية التي لديها القدرة على تمويل عملية إعادة الإعمار غير مستعدة لمكافأة الطرف الروسي أو الإيراني أو النظام، على أعمالهم في سورية، وإعطائهم صك براءة على كل ما قاموا به، هذا ما يُذكر علنًا.

الكل يُعِدّ العُدة لحصاد اقتصادي، في مرحلة ما بعد الحرب، يضمن له تأثيرًا طويل المدى واستدامة لمصالحه ونفوذه، وعلى الرغم من ذلك كله، فإن إيقاف الحرب والدخول بمعارك نفوذ اقتصادي أفضل من البقاء في مربع الخراب والدمار.

الولايات المتحدة لا ترتكس لبوالين الاختبار التي تطلقها روسيا

السياسي لؤي حسين، رئيس تيار بناء الدولة السورية، قال لـ (جيرون): “لا أعتقد أننا سنتفاجأ بموقف دولي جديد في هذه المرحلة. فالولايات المتحدة لا ترتكس لبوالين الاختبار التي تطلقها روسيا، إن كان بخصوص إدلب أو اللجنة الدستورية أو إعادة الإعمار”. وتابع: “من دون أن تعلن واشنطن عن تموضعها بالنسبة إلى المسألة السورية، لن نجد أي تغيير ذي معنى على صعيد الخروج من الأزمة السورية التي بدأت الآن تأخذ وجهًا جديدًا، يتمثل بالأزمة المعيشية بعد أن انتهت المعارك الرئيسية، ولم تعد تجد إيران أسبابًا وجيهة لدعم الخزينة السورية”. وأضاف: “إعادة الإعمار بحاجة إلى المال الغربي، والغرب لن يقبل بتقديم أي مال إلا كثمن يقبضه من روسيا، وسيكون هذا الثمن تقويض انتصارها العسكري في سورية”.

الزيات: هل الاستثمار في الصراع ما يزال مفيدًا

علاء الدين زيات، المدير التنفيذي لاتحاد منظمات المجتمع المدني (تماس)، قال لـ (جيرون): “يمكن النظر إلى توازنات المصالح الدولية كسوق كبير لأصحاب مهنة واحدة؛ فالصداقات والعداوات رهن بالمكاسب الخاصة، بما فيها قضية السلام الدولي ومنع تمدد الصراعات والتنمية، جميعها تخضع في النهاية -على مستوى الحكومات- لميزان الربح والخسارة”.

وأضاف: “من هنا يُشكّل (بروكسل 3) إعادة تقييم جديدة للمنافع حول الاستثمار في الصراع: هل ما يزال مفيدًا ويطور استراتيجيات استجابة تحقق مصالح أعلى أم العكس. ولذلك يجب أن تصب الأنشطة والرسائل وعروض الأفكار للعاملين المدنيين في مصلحة تبيان مخرج الحل، كونه أكثر تلبية للمصالح مقارنة باستمرار النزاع، والرؤية اليوم توضح أن ذلك لم يعد بالتعقيد السابق الذي كانت ذروته 2015”.

تراجع المستثمرين في الصراع إلى الصفوف الخلفية

قال الزيات: “المستثمرون في الصراع أصبحوا أقل قوة وحماسة، وانحسر دورهم إلى الصفوف الخلفية. عبث، مناكفات، شغب، واستثمار منخفض المردود في اقتصاديات الحرب، مقابل إغراءات تشكل حلمًا لأمراء الحرب، في نقل ثقلهم إلى اقتصاد الأعمال السلمية”.

وأضاف: “هذا يقودنا إلى فكرة توازي السياسي مع الاقتصادي، والتحولات مع الإغراء بمغادرة الاقتصاد المبني على العنف إلى الاقتصاد الذي يؤهب لطيّ صفحة اقتصاد الإتاوة والمافيا، ويبدو جليًا، برؤية قوى مؤثرة من ضمنها الاتحاد الأوروبي بقسمه الرئيس، أن فصل ذلك التوازي أمرٌ غير مسموح به حاليًا، وهناك تعزيز لفكرة دخول بوابة الحل السياسي من جانب الاقتصاد كأداة ضغط، وهي لعبة عض أصابع دامية، ونتيجتها غير محسومة اليوم”.

حكومة دمشق: التهجير جزء من آليات الصراع

قضية المهجرين والنازحين واحدة من أخطر القضايا ومفرزات الحروب، وفقًا للزيات، لأنها تشمل جوانب إنسانية وقانونية، وجزءًا من آليات إعادة الثقة المجتمعية، وترجمة لمفهوم السلام المستدام، وذلك في حال إجراء حلول عادلة، وما نراه اليوم من ممارسات لحكومة دمشق، وبعض سلطات الأمر الواقع في مناطق أخرى، هو جعل هذا الملف جزءًا من آليات الصراع، لإحداث هندسة سكانية بنيوية تحقق أهداف أمنية وسياسية لاحقًا، مكنة العنف المفرط والتهجير واتفاق المدن الأربعة وإخلاء الغوطة ودرعا، القانون 10 ومناقشة سحب الجنسيات، (درع الفرات) وعفرين، كل هذه الأسماء تستثمر في التهجير، لخلق فرص سياسية وأمنية جديدة، أما على الوضع السكاني فهناك تفاوت بين أوضاع اللاجئين بين دولة وأخرى، لكن جميع ذلك دون مسألة المواطنة وحقوق الإنسان، ما دام ذلك الاستثمار مبنيًا على تحقيق مكاسب للدول المضيفة ولمستقبل علاقتها بسورية في المرحلة الانتقالية والتي تليها”.

الحل الوحيد لأزمة النازحين السوريين هو العودة الآمنة إلى وطنهم

رئيس وزراء لبنان سعد الحريري قال، في كلمته أمام (بروكسل 3): إن أثر أزمة النازحين على لبنان يزداد حدة، ويفاقم على المدى القصير التحديات الاقتصادية والاجتماعية القائمة. وكرر الحريري التأكيد أن حكومته ستظل ملتزمة بالعمل، مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، على أي مبادرة عملية تضمن العودة الآمنة للنازحين السوريين، بما في ذلك المبادرة الروسية. وقال: “ليس لدينا خيار آخر سوى توحيد الجهود والعمل معًا لمعالجة العقبات والتحديات التي تواجه عودة النازحين. إنها مهمة شاقة ومسؤولية جماعية، وعلينا جميعًا أن نكون مبتكرين في إيجاد الحلول”.

حلّ سياسي ينسجم وقرار مجلس الأمن الدولي 2254

الممثلة العليا لسياسة الأمن والشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي فديريكا موغيريني قالت أمام مؤتمر (بروكسل 3): “من شأن حلّ سياسي موثوق ينسجم وقرار مجلس الأمن الأممي 2254 وبيان جنيف 2012 فقط أن يضمن مستقبلًا سلميًا واستقرارًا لكل من سورية والمنطقة. لهذا السبب، يستمر الاتحاد الأوروبي في العمل على دعم الحوار السوري – السوري، بقيادة الأمم المتحدة في جنيف.

وأضافت أن الاتحاد الأوروبي يؤمن بأن السلام المستدام يترافق وإعادة اللحمة الاجتماعية والكرامة السوريتين اللتين تستندان إلى العدالة والمصالحة الوطنية. هذه العملية لا يمكن تحقيقها إلا عندما يشعر السوريون قاطبة -بغضّ الطّرف عن دينهم وعرقهم- بالأمان والحرية، وعندما يتمكنون من العيش بكرامة، في بلدهم الأم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق