مقالات الرأي

ثماني سنوات وجذوة الثورة ما زالت متقدة

يجب ألا نيئس، على الرغم من خذلان العالم لشعبنا السوري، وتجاهل تضحياته الكبرى ومعاناته الإنسانية التي تفوق الوصف، فلا يوجد لدى السوريين خط رجعة، ولا يمكن أن يعودوا إلى حظيرة عصابة الأسد، ولا يمكن لسورية أن ترجع إلى ما قبل 15 آذار/ مارس 2011. فالتاريخ لا يرجع إلى الوراء ولا يعيد نفسه، ولو تشابهت الأحداث.

لقد أثبت الشعب السوري أنه شجاع وبطل، واستطاع تحطيم جبروت نظام الأسد ومرغ رمزيته في الوحل، وجعله يفقد بوصلة الأحداث. فالأسد اليوم أصبح أداة طيعة بيد نظام الملالي والكرملين، كلٌّ منهم يجره لعنده، لدرجة أننا أصبحنا نخجل من سلوك بشار الأسد كسوريين، حيث إن اسمه في الأمم المتحدة وفي محافل دولية أخرى “رئيس سورية”، وهو بلا كرامة وبلا سيادة وبلا قرار مستقل. ويقول الروس إنه “رئيس شرعي”؛ فهل الشرعية تتفق مع فقدان الكرامة والسيادة والاستقلالية في الموقف، وخاصة عندما يجري الحديث عن رئيس بلد.

ابتُلي السوريون بعائلة الأسد التي جاءت على ظهر حزب البعث، فابتلعت الحزب والدولة، وبقي فقط حكم المجلس الملي العلوي، ومن يخدمه من بقية الديانات والمذاهب والقوميات. سورية الحضارة والتاريخ الغني بالثقافات والإنجازات التي قدمتها للبشرية، من أول أبجدية في التاريخ في أوغاريت إلى نشر الموسيقا وقوانين حمورابي وابن النفيس في الطب وابن الشاطر في الفلك، وأمجاد الأمويين، لكن تم تقزيم سورية وتاريخها في عهد الأسدين الأب والابن، بطريقة توحي بأن هذه العائلة ليست من أصول سورية، وإنما نُصّبت في الحكم لكي تهين السوريين وتنتهك كراماتهم وتبقي سورية دولة متخلفة، والشعب السوري يعيش في سجن كبير. وقد تجسدت نتائج كلّ هذه المهازل الأسدية في مرحلة الثورة السورية، حيث استخدمت عصابة الأسد كلّ أنواع الفتك والبطش والإبادة بحق السوريين. ويتساءل المرء: هل مطالبة السوريين بالحرية والكرامة الإنسانية والعدالة تستوجب كل هذا البطش؟! وأين العالم والقوانين الدولية وحقوق الإنسان والشعوب؟ أين القيم الإنسانية والشرائع الدولية؟!

لماذا سكت العالم على إبادة السوريين وتدمير بلادهم وتهجيرهم من منازلهم؟ هل يعقل أن يطال القتل والتهجير والنزوح حوالي 14 مليون سوري، بينما عدد سكان سورية حوالي 23 مليون نسمة؟

يقال إن جواهر لال نهرو زار سورية، في أربعينيات القرن الماضي، وقال إنه يتمنى أن يحقق في الهند ما يشبه سورية من ديمقراطية وتعايش بين القوميات والأديان، وقال المؤرخ الفرنسي لوبان: “إن لدى كل إنسان في هذا العالم وطنان: وطنه الأصلي وسورية”، لأن سورية هي مهد الحضارات والثقافات والديانات، وكل الشعوب تركت بصمات في هذه الأرض، ومنها انتشرت الديانات المسيحية والإسلامية إلى بلدان العالم، ومنها روسيا التي تشدقت بحقوق الأقليات وحماية المسيحية وقد قتلت طائراتها الحديثة السوريين وساعدت طاغية دمشق وحاشيته المجرمة في البقاء حتى اليوم.

لقد أثبتت الثورة السورية أن النظام انتهت مهمته. فإذا كان دوره مطلوبًا في مرحلة الحرب والقتال، فإن هذا الدور لم يعد مناسبًا في مرحلة السلم والبناء. فحلفاؤه الأساسيون روسيا وإيران يدخلون اليوم في نفق الصراع والمنافسة. وسينعكس ذلك على مصيره ويودي به، عاجلًا أم آجلًا. مصالح تلك الدول أكبر من الأسد ومن عائلته ونظامه، وسيبيعه الروس قبل غيرهم ويتخلصون منه، ولديهم خبرة كبيرة في هذه الخطط من أيام الاتحاد السوفيتي في أفغانستان.

لكن المشكلة أن الروس لا يدركون ذلك حتى اليوم، أو على الأقل لا يعترفون بأنهم في ورطة. وعلى موسكو أن تتخلى عن طاغية دمشق ونظام الملالي، لأن ساعة الحقيقة اقتربت وجني ثمار التدخل في سورية أصبح مهمة قريبة، وفي نهاية المطاف فإن روسيا تضع تحقيق مصالحها فوق أي اعتبار.

الكل يبحث عن مصالحه في سورية، والكل يصفي حساباته على الأرض السورية. ولماذا سورية بالذات؟ ببساطة لأن لسورية ميزات استراتيجية وتاريخية وسياسية وجيوسياسية، والأهم من كل ذلك لأنها تجاور “إسرائيل” التي تلعب دورًا أساسًا في رسم السياسة الدولية تجاه الملف السوري. وعلى الرغم من الصراعات الكبرى في سورية وحولها، فإن الولايات المتحدة وروسيا متفقتان استراتيجيًا على ما يحصل في سورية، حيث يشارك اللاعب الحاضر الغائب الثالث “إسرائيل” في صنع الأحداث. بينما هناك تناقض كبير وعداء حقيقي بين روسيا وأميركا، في الملفات الدولية الأخرى ومنها أوكرانيا.

كل التدخل الروسي في سورية جرى بضوء أخضر أميركي. ويرى بعض الخبراء الروس أن أميركا جرّت روسيا إلى المستنقع السوري وورطتها. ودخول الحمام ليس مثل الخروج منه.

بالفعل، تجد موسكو نفسها اليوم أمام مأزق في سورية، فالتقدم صعب جدًا، والوقوف في المكان يعني الخسارة، والتراجع كارثة.

وفي خضم الصراع في سورية وحول سورية، لا بد من أن نذكر دور الإعلام المزيف والكاذب، وبخاصة الإعلام الروسي الذي فاق في كذبه وتلفيقاته إعلام الأسد. وأنا أتابع وسائل الإعلام الروسية على مدى 8 سنوات كيف تتعامل مع الأحداث في سورية، حيث يصورون الأبيض أسود والعكس صحيح. وآخر هذه الكذبات أن دول منظمة شنغهاي تعاني انتشار الجريمة، والسبب الأول هم اللاجئون السوريون!!! وهنا نتساءل: كم عدد اللاجئين في الهند والصين وروسيا وبعض دول آسيا الوسطى؟ إنهم لا يتجاوزن عدة آلاف، بينما استقبلت أوروبا ملايين السوريين، ولم يشتك أحد من ارتكاب السوريين للجرائم، حتى الدعايات السابقة حول اغتصاب لاجئين سوريين لفتاة روسية في ألمانيا منذ سنوات، تم التأكد من أنه كذبة اخترعها صحفي روسي لتشويه سمعة اللاجئين السوريين، علما أن الإعلام الروسي طبّل وزمّر بحادثة الاغتصاب، وكأنها حقيقة، طوال أشهر عديدة!!

والشيء نفسه يقال بخصوص اتهام المعارضة باستخدام السلاح الكيمياوي، علمًا أن العالم كله تأكد أن النظام الأسدي هو الذي يستخدم الغازات السامة ضد المدنيين.

ولم يكن الإعلام الغربي أرحم من الإعلام الروسي، فقد شوه صورة الثورة إلى حد بعيد، ليخدم المخطط الإسرائيلي في الترويج لمقولة إن بقاء الأسد أفضل من المعارضة المتطرفة، وكأن كل السوريين إرهابيون ومتطرفون، كما يقول الأسد.

هناك من يتوهم أن الأسد انتصر، كما يروج الإعلام الممانع. ولكن الحقيقة أنه اليوم أمام الحقيقة المرة، وعليه أن يجد حلولًا لبلد مدمر، في وقت لا يستطيع فيه توفير جرة غاز ليس في المناطق الخارجة عن سيطرته، بل للموالين.

والقرارات الأميركية الأخيرة مثل قانون قيصر والعقوبات ضد كل من يتعاون مع نظام الأسد في إعادة الإعمار، قبل حدوث تغيير سياسي، تلعب دورًا قويًا في تكسير معنويات الأسد وحاشيته وحلفائه (روسيا وإيران) الذين يعانون بدورهم آثار العقوبات الأميركية القاسية التي طالت كل الشركات ورجال الأعمال والمقربين من السلطات، ووصلت إلى حد التدقيق في دخل الرئيس الروسي.

تركيا وقفت مع الثورة السورية في البدايات بقوة، ولكن الأميركان ومراكز قوى دولية أغرقت تركيا بالمشاكل، من محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2015 ومن قتل السفير الروسي، وقبلها إسقاط طائرة حربية روسية، ومن افتعال أزمة مالية وأخيرًا من دعم أميركي لقوات قسد (الكردية) التي تعتبرها تركيا خطرًا على الأمن القومي التركي وتتهمها بالإرهاب.

وكذلك نتساءل: من الذي أغرق دول الخليج في المشكلات، من تدخل التحالف العربي في اليمن منذ عدة سنوات، ومن حصار دولة قطر، والحبل على الجرار.

نرى أن المستفيد الأول مما حدث في سورية هو “إسرائيل”، ولا يقولنّ أحدٌ إنني أتحدث عن المؤامرة. فالمؤامرة والأجندة الدولية التي يقف وراءها اللوبي الصهيوني هي حقيقة قائمة في الغرب، وتأثير هذا اللوبي في الأنظمة العربية يعرفه الجميع. وكِتاب شمعون بيريس (الشرق الأوسط الجديد) ليس وهمًا بل خطة حقيقية يجري تنفيذها، وقد عبرت كونداليزا رايس عن تلك الأفكار، باستخدام مصطلح “الفوضى الخلاقة”.

لكننا لن نيئس ولن نتخلى عن الثورة السورية، ولن نخون دماء الشهداء الأبرار، ولن ننسى حمزة الخطيب ولا غياث مطر ولا أبو فرات ولا حجي مارع ولا العبود ولا خيرة شهداء سورية. لن ننسى عذابات الأمهات السوريات وأطفال سورية، وما تعرضوا له من إهانات وانتهاك لأبسط حقوق الإنسان.. لن ننسى تشرد السوريين وإجبارهم على ركوب البحار والموت غرقًا بالعشرات، ولن ننسى الأحرار الذين ماتوا تحت التعذيب في سجون الطاغية.. لن ننسى الثمن الغالي الذي قدمه شعبنا من أجل الكرامة والحرية وبناء الدولة المدنية التعددية التي يعيش في ظلها السوريون جميعًا بلا استثناء، بحرية ومساواة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق