هموم ثقافية

الناقد الرؤيوي

علينا الكفّ منذ الآن عن التسليم بأفول النقد المسرحي. في المقابل لا بدّ لنا من المطالبة بعودة الفلسفة: عليها أن تحشر نفسها بقوّة في حقولنا المسرحية التي عمّرها اليباب، وعليها أن تعيد الشعراء إلى موطنهم المسرحي، لأنهم وحدهم من يخيط جراحات العالم. نحن نعترف بأن موت الناقد هو نتاج لتلك الوطأة التي وضعتنا في حقولها سردية تبحث في نهاية هالة الفن، بعد أن دخل طور الصناعة، وبات بضاعة دون الأدنى من طاقته الترميزية، حتى إنّه تحوّل إلى ضرب من الأسلحة في قبضة الأيديولوجيات. ولكنّ محفلًا جنائزيًّا كهذا الذي ندركه، لم يمنع نيتشه فيلسوف الديناميت من إعلان مولد التراجيديا كردّة فعل عنيفة وتجاوزية لفكرة النهايات، وهذا المحفل الجنائزي لم يمنع -أيضًا- فيلسوف الجموع طوني نيغري من تنشيط “الرائع العملي” بضرورة أن تكون الحياة عينها، الفن بما هو في قبضة الثوريين، ثم إن هذا المحفل الجنائزي، بما هو ناتج عن أزمة واضطراب ما، لم يمنع قرينه القديم في أزمنة البربرية من مولد الفلاسفة الأخلاقيين الذين دعوا إلى انتظام الفعل المسرحي، منذ أن تمّت عملية رفع الاحتفالات والصخب الباخوسي، من الساحات العامة إلى القاعات، فكان ثمة فيما بعد أفلاطون وراء المحاورات السقراطية، وأرسطو الذي ترك أيقونته “فن الشعر”.

مهمّة الفلاسفة

ماذا بوسع الفيلسوف أن يقدّم الآن؟ بلا ريب، إنّه ذلك الذي يحمل المعول كي يفتح من خلاله ثغرات ما، نعبر منها إلى المستقبل: الفيلسوف هو الذي يملأ العالم بالمعنى، ومن ثمّ بَذْرُ الإنسان في التربة المناسبة.

أيّ دور إذن يمكن أن يلعبه في الحقل المسرحي؟ بلا ريب، إنّه ذلك الاعتراض العنيف والمتهكم ضدّ السائد، حيث إعادة تربية العقول بجعلها نقدية لا نفعية، بمعنى أن تكون عقولًا حرّة، تجد في جيل دولوز حديقة خصبة لابتكار المفاهيم ونحتها وإبداعها، هكذا يتخلّص المسرحيّ من عقم المعنى السّائد وعماء تأويل الواقع والعالم، وتجد في ابن باجة والمسكيني، على عكس أفلاطون، معنى أن تكون عقولًا نابتة. هكذا يصبح المسرحيّ أبعد من سراديب الفكر، وفوق عصره، ليس من منظور يقول بانزياحه عن القضايا الموجودة، بل من خلال استيعابه طاقة فذّة تخوّله جرّ عصره إلى حقبة جديدة، خارج نزاعات اللاإنساني.

ما بوسع الفلسفة أن تقدّمه للمسرحي الآن، هو أن تعلّمه كيف يتفطّن إلى وضاعة الوجود البشريّ القائم حاليًّا، وكيف يمكن أن يتخطّى ما عبّر عنه المسكيني بالقول إنّ “كلًّا منّا يسطّر للآخر حدّه الميتافيزيقيّ الفظيع، ويبني له بوّابة على الموت”، هكذا ينجو من سياسات القتل، ومن سرديّة النهايات، بوضع أعماله ضمن أفق إنساني وكونيّ يحاور المستحيل، بمعنى تأثيث البيت المستقبليّ للعالم، خارج نزعة العقل الوضعي ونزعة العقل السلفيّ الماضويّ، بوصفهما جعلا من إمكانية الحياة أمرًا يكاد يكون مستحيلًا، إن لم نقل مجرّد ثرثرة ميتافيزيقية، أمام حجم الكوارث التي تمرّ بها شعوبنا حاليّا بتعدّد بذور الحروب في تربة الإنسانيّة.

قد يبدو لا معنى لهذا الحديث في ضوء الإشكالية القائلة بموت النّاقد وارتباطه العضوي بأفول الفنّ، ولكن علينا أن ننتبه إلى أنّ التفكير الفلسفي في الفن المسرحي، لا يمثّل سلطة للمراقبة وللمعاقبة بتعبير فوكو، أو هو يشرّع لذهنيّة تحريم جديد، إذا ما نشّطنا عبارة صادق جلال العظم، وإنّما هي عمليّة تدخل في إطار إعادة فلاحة الفكر المسرحيّ ككلّ، كي يعيد التساؤل لا عن الحالة الاجتماعية الظالمة، هل كان عليه أن يعتني بها أو يترك تلك المهمّة للسياسيين والمدافع، بل عن أفقه المستقبليّ، في ضوء جراحات يخدش من خلالها حدود المعادلة التي تمّ سبيها؛ علّه يرتقي إلى معادلة جديدة، تُنْتِجُ أعمالًا عظيمة في حجم كارثة الرّاهن ومغايرة لهذه الأعمال السّائدة التي كرّست مشروعيّة تأبيد القول بنهاية الفنّ، تلك التي تفوح من اهتماماتها “رائحة الإنسان الزّائل المادّي (…) الإنسان الجيفة”، و“رائحة التدهور والصديد”، بتعبير أنطوان آرتو، وتكرّس لمسرح دون خطر، ودون قدرة على اقتلاع الحبّ من مخالب الكارثة.

أن ينجح المسرحي، الذي يصاحبه الفيلسوف، في استنطاق سردية جديدة للنوع البشري، معناه أن هناك إمكانية جديدة للحياة تبشّر بمولد إنسان ما بعد الخير والشرّ، وما بعد ميتافيزيقي، لا يثق إطلاقًا في معادلة الراهن، فالحداثة نفسها انسحبت بدورها إلى حديقة اللاهوت، وما انتسابه إليها في ضوء سياسات التصدّي للثقافة الظلامية، إلا سقوط في البهرج الإستيطقي والليبرالي الذي ولّدته أسواق الحداثة نفسها، وما هو إلا سقوط في أودية الأصولية الدّهماء: إنّ المسرحيّ الأخير هو ذلك الذي يهدم كلّ هذه الفزّاعات البشريّة، ويقدّم لنا الآن -من خلال هذا التصور- رؤيته إزاء العالم مسرحيًّا، أي إمكانية جدّية لمولد النّاقد الأخير، ذلك الكائن الرّؤيويّ، لا ذلك المحارب البائس والعدميّ، ولا ذلك الصحافيّ المأجور.

مولد الناقد الأخير

لا يمكن الحديث إذن، عن الناقد الأخير في ضوء موت الفن وانهيار القيم وفراغ العالم من المعنى وارتهان المنجز المسرحي إلى ما هو ليبرالي وتجاري، تتحكم فيه بورصات الأسواق والكرنفالات والمهرجانات المسرحية! إنّ هذا الناقد لن يكتب -على الإطلاق- ما دامت حالة الراهن على هذا المستوى، وهو ليس ذلك الكائن الخارق الذي سيعطينا وَحْيًا، بمعنى: أن يكتب الحكمة المسرحية لنفسه ويريد أن يجرّنا إليها كأتباع له. كلّا، فهو ليس من سلالة الآلهة، ولا يروق له أن يكون كذلك، هو ابن الملّة المسرحية، وتلك العقول الحرّة، وسليل النّوابت، ينتظر مثلنا تغييرًا على المستوى العالمي، وعلى المستوى المسرحي، حتى إذا ما كتب حينها، كان قد أفصح عن حالة عشقيّة بيننا والمسرح، وبين المسرح والحياة، وبين الحياة والعالم. هذا الناقد هو تتويج لمسار ألم المسرحيين العظيم، وألم حياتنا ومجتمعاتنا. إنّه صدى لذلك الإله الأجمل ديونيسيوس في هذا العالم، فإنّ مولده في المستقبل سيكون مقترنًا بعودة الدهشة إلى المسرح.

إنّ هذه الولادة، ليس من مهامّها مقارعة سرديّة النهايات، بقدر ما تمثّل ضدّها النّوعي في سبيل استنطاق المستقبل؛ إذ تشطب معها الحدود القائمة بين المبدع المسرحي والناقد والفيلسوف، وتحيلنا إلى أفق “ما بعديّ” تتلاشى فيه تلك الحدود بين مختلف المجالات المعرفيّة، حينئذ يصبح متاحًا الإعلان عن مولد النّاقد الأخير، الرّؤيويّ الذي لا يمكن تصنيفه كناقد كلاسيكيّ، أو كاتب، أو فيلسوف، أو مُخرج، أو دراماتورج، أو شاعر، بل هو ذلك المفكّر الذي يكون كلّ هؤلاء وقد اجتمعوا في صورة نبيّ يشعرنا بجماليّة الوجود، وبإمكانية عودة النّقاء إلى عالمنا، كما يمنحنا فرصة للتكلّم بشكل جماعي إزاء عمل فنّي واحد، إذ ليس ثمّة أسطورة الأصل، بقدر ما ثمّة حقل تناصي دائما، وتناسج تتعالق فيه أطراف متباعدة ومتعالقة بشكل مكثّف، وعليه يمكن اعتبار موت المبدع المسرحيّ أو الناقد حالة ضرورية حتى تتمّ عودتهما إلى الحياة بشكل مغاير، يقول بالكفّ عن جعل الفن المسرحيّ مجرّد كائن أصولي أو حداثي، ويكون فيه كلّا منهما مرآة الآخر، وبوصفهما أيضًا مرايا العالم وجمرة العصر وحرّاس المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق