أدب وفنون

البيت ذو المدخل الواطئ

كنا نسميه: بيت الأصدقاء. بيت الحب، واللهفة، واللمة الحلوة. له بابٌ خشبي عتيق، يفضي إلى مدخل واطئ، وخمس درجات حجرية، تؤدي إلى مصطبة إسمنتية، بطول أربعة أمتار، وعرض مترين ونصف تقريبًا، مفتوحة على سماء الله الزرقاء الحانية، التي يتلألأ ليلها بأضواء دمشق، وجبل قاسيون البعيد.

تظلل المصطبة أغصان شجرة توت معمرة، مغروسة في تربة بستان مجاور، بينما تقع غرف البيت الثلاث ذات السقف الواطئ، مقابلها. اثنتان منهما متداخلتان، لا يفصل بينهما فاصل. تتسع إحداهما لسرير الحب، وخزانة صغيرة تخفي أسرار البيت، وروائحه الحميمة، بينما تحتضن الأخرى بحنو رفوفَ مكتبة عامرة بأمهات الكتب، وأريكة، وبضعة كراس خشبية، وطاولة متحركة، تطوى وتفتح حسب مزاج صاحب البيت، الذي صمم قياساتها عند نجار خاص، بما يتلاءم مع المساحة الضيقة. الغرفة الثالثة منفصلة، ويبلغ طولها حوالي أربعة أمتار، بعرض مترين، ولها نافذة تطل على نبض الشارع المقابل. لا أعرف كيف كانت صاحبة البيت تتحايل على تزيين جدرانها، باللوحات، والصور، والنباتات، والتحف الفخارية البسيطة، التي تُشعر الزائر بأنه في مكان أليف، قريب من القلب، مع أنه يخفي خلف أناقته أنياب الفقر القاسية!

هذا البيت الضيق الواسع، كان يحتضن حول مائدته الكريمة، تحت التوتة، سهرات الأصدقاء الصاخبة… يشربون، ويضحكون، ويتبادلون الآراء حول الأدب والفن والمجتمع والسياسة… ولا تخلو الأحاديث من تعليقات لماحة تملأ فضاء المكان، والقلوب بالنشوة والفرح أحيانًا، وبالأسى الشفيف أحيانًا أخرى!

لم يكن ذاك المكان عابرًا في حياتي، بل ترك وشمًا عميقًا في قلبي. إنه بيت صديق عمري القاص إبراهيم صموئيل، صاحب “رائحة الخطو الثقيل”، و”النحنحات”، و”الوعر الأزرق”، إضافةً إلى رائعته التي تسجل ذاكرة المكان “البيت ذو المدخل الواطئ”، مجموعته القصصية الرابعة.

لم نفترق أنا وإبراهيم، طوال خمسين عامًا (هي عمر صداقتنا المديدة) إلا إبّان سنوات الاعتقال التي غيبته، وغيبتي… ومن ثم افترقنا مجددًا، بعد التغريبة السورية الأخيرة.

في بيت الحب هذا، الذي يقع في أول حي جوبر الدمشقي، وتحت ظلال التوتة، تعرفت إلى رفيقة دربي، وشريكة حياتي. كنت أحتسي في إحدى الأمسيات القهوة مع إبراهيم وماري، التي كانت تراقب بشغف رقصات السنونو، قبل مغيب الشمس، وهي تحلق في فضاء الله، حرةً طليقة، عندما دخلت علينا صبيةٌ سمراء.. راحت تشارك ماري شغفها بمراقبة أسراب السنونو.

قلت لنفسي: هذه هي!

كافح إبراهيم وماري بكرامة وصبر، طوال أكثر من عشرين عامًا، حتى استطاعا شراء بيت، يصلح للسكن الآدمي في حي جرمانا، لكن يد الموت سارعت إلى اختطاف ماري، قبل أن يُتاح لها الاستمتاع في بيتها الجديد!!

ظل إبراهيم وفيًا لذاكرة المكان. أبقى جدران بيت جوبر على حالها.. حاضنة دافئة للمكتبة، والأثاث القديم، فيما استقرت منحوتةٌ لطيور السنونو، صممها فنانٌ صديق، على شاهدة قبر ماري، لكن سموم الحرب المجنونة اقتلعت التوتة، وحولت ذلك البيت الطيني الدافئ إلى ركام، دُفنت تحت أنقاضه أشلاء كتب، لكل منها حكاية تُحكى!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق