مقالات الرأي

ماذا تخبرنا خريطة توزع قوات النظام في إدلب؟

بات واضحًا أنه لا يمكن، بأي حال من الأحوال، توقّع ما قد يحصل في إدلب بشكل قطعي، حيث إن التفاهمات السياسية بين الأطراف الدولية تبدو هشة وغير عملية، ومن جهة أخرى، فإن شراهة روسيا تبدو مفتوحة للاستفادة من الوضع القائم. ومع الأخذ بعين الاعتبار أن القصف اليومي على إدلب لا يهدأ منذ أكثر من شهرين، على الرغم من الاتفاق الروسي التركي، فإن المنطق قاد المراقبين إلى العودة للحديث عن احتمال وقوع عملية كبيرة للنظام تجاه المناطق المحررة في الشمال.

وللحصول على قراءة أفضل لما قد تحمله الأيام القادمة؛ سنستعرض في هذا التقرير خريطة الانتشار العسكري للنظام السوري ورعاته في محيط المناطق المحررة ودلالاته.

هل اقتربت المعركة الشاملة؟

في ليلة الأربعاء الماضية، شهد قصف النظام للمناطق المحررة في الشمال السوري تصعيدًا واضحًا، من حيث نوعية الأسلحة المستخدمة والمناطق المستهدفة، في خرق واضح ومستمر لاتفاق سوتشي، ولكن هل يعني هذا التصعيد أن هناك تمهيدًا لعمل عسكري أوسع؟

وإذا ما أضفنا إلى تصعيد القصف، الحملة الدعائية التي لا تهدأ على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المدعومة من قبل النظام وميليشياته، والتي تنشر صورًا وفيديوهات للتعزيزات العسكرية، مع عبارات التهديد والوعيد، فهل يمكن أن نستنتج أننا أصبحنا أقرب إلى هذه المواجهة؟

ذراع روسيا على الأرض

منذ بدء العدوان الروسي على سورية، أيلول/ سبتمبر 2015، كان واضحًا انتقاء الجنرالات الروس لحفنة من ضباط النظام وميليشياته، ليكونوا الذراع الضارب للروس على الأرض، فيما يتكفل سلاح الجو الروسي بأعمال القصف من الجو، ورأينا هذا السيناريو في جميع المعارك ما بعد العدوان، وبناءً عليه يمكن لخريطة التشكيلة العسكرية للنظام المتواجدة حاليًا حول المناطق المحررة أن تمنحنا فكرة عن إمكانية شن هجوم كبير على تلك المناطق.

رصَد موقع (إنترناشونال ريفيو)* المختص بتحليل الصراعات والأزمات الدولية، التواجد العسكري لقوات النظام ورعاته، روسيا وإيران، بمحيط المناطق المحررة، وبحسب الوحدات المتواجدة حاليًا، وبالمقارنة مع تلك التي ظهرت في معارك الغوطة الشرقية ودرعا وقبلهما حلب؛ نلاحظ غياب ما يسميه الموقع بـ “الوحدات الهجومية” الرئيسية التي شاركت في تلك المعارك، بينما يمكن القول إن الوحدات المنتشرة هي موجودة بالأساس للتصدي لقوات المعارضة والدفاع، وكانت في المنطقة قبل نقل بعضها إلى الجبهات المشتعلة، وأعيدَت الآن إلى أماكنها، وبالتالي يبدو أن احتمال تنفيذ هجوم كبير على إدلب والمناطق المحررة في حماة وحلب أمرٌ بعيد، طالما أن التشكيلة العسكرية بقيت دفاعية.

في الهجوم الروسي على الغوطة الشرقية في ريف دمشق، آذار/ مارس 2018، كانت الوحدات المشاركة في الهجوم البري من قوات النظام هي: ميليشيا “قوات النمر”، القوات الخاصة الـ 14، الفرقة المدرعة الأولى، الفرقة الرابعة، الفرقة المدرعة التاسعة، والألوية 104 و105 و106 من الحرس الجمهوري. وفي معارك الصفا بالسويداء ضد تنظيم (داعش)، شاركت وحدات من الفرق التالية، إضافة إلى ميليشيا “النمر”: الأولى، والقوات الخاصة الفرقة 14، فرقة المشاة 15 المحمولة، الرابعة، الخامسة، التاسعة، العاشرة والثالثة.

خريطة توزع قوات الأسد

كانت المنطقة الشمالية قد شهدت إعادة انتشار لقوات النظام، في آذار/ مارس 2015، عقب سيطرة الثوار على مدينة إدلب، وبالتالي خروج كامل المحافظة من يد النظام، وأعاد النظام تركيز قواته في محيط المناطق المحررة في حماة وحلب وإدلب، ولكن ما لبث لاحقًا أن قام بسحب عدة وحدات من هذه الحشود، العام الماضي، للمشاركة في المعارك التي شنها تحت الرعاية الروسية في جنوب سورية ووسطها.

وهناك حاليًا، حول إدلب والمناطق المحررة، بحسب (ناشونال ريفيو)، الفرق التالية (كان معظمها موجودًا قبل 2018 وأعيدَ انتشاره في المنطقة لتعزيز الدفاع):

(الفرقة الثامنة – مدرعات): تم نشرها بالكامل في حماة عام 2015، وتوجد بشكل أساسي في جبهة حماة الشمالية، ولها وحدات على طول أقصى شمال سهل الغاب، على محور سيرمانية-زيارية، وكذلك شمال سقيلبية.

(الفرقة الحادية عشر- مدرعات): ينتشر اللواء 87 التابع للفرقة 11، والكتيبة 74 على طول جنوب إدلب وشمال حماة، منذ 2012

(الفرقة الخامسة عشر- قوات خاصة): بسبب التدريب العالي لعناصرها ونوعية العتاد العسكري؛ كان هناك اعتماد كبير على هذه الفرقة، ولذلك تكبدت خسائر فادحة، وبينما كانت الأفواج 127 و404 و405 في درعا، بقي الفوج 35 متمركزًا في إدلب، وشارك في معارك جسر الشغور 2015 .

(الفيلق الرابع – اقتحام): تم تشكيله في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، بعد نحو شهر من بدء العدوان الروسي، وعلى الرغم من إلحاق تعبير (اقتحام) به، فإن مهامه اقتصرت على الدفاع في شمال اللاذقية ومنطقة سهل الغاب بحماة.

(الفيلق الخامس – اقتحام): أنشأته روسيا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، ويعدّ إنشاؤه دليلًا على فشل (الفيلق الرابع)، ويتم تدريبه وتمويله من قبل الروس، للفيلق وحدات منتشرة للدفاع حول حماة وإدلب، ومع انتهاء مشاركته في معارك دير الزور ودمشق ووسط سورية ودير الزور، عادت معظم وحداته في نهاية 2018 إلى الانتشار في شمال حماة وشمال شرق إدلب، كما أنه موجود في ريف حلب الجنوبي.

ومن المرجح أن هذا الفيلق كان مسؤولًا عن حملات القصف على اللطامنة وكفر زيتا، التي أدت إلى استشهاد العشرات في شباط/ فبراير الماضي. كما توجد في المنطقة قوات للحرس الجمهوري، حيث تم نشر اللواء 124 في حزيران/ يونيو 2018، في مطار (أبو ظهور) شرق إدلب، كما توجد قطعات من الفرقة الأولى والتاسعة.

ويعدّ شمال حماة المركز الأساس لميليشيا “النمر”، حيث توجد عدة منشآت وقواعد تدريب لهذه الميليشيا التي يقودها سهيل الحسن “رجل روسيا” كما يوصف.

التواجد الروسي

ينشط الضباط الروس في المنطقة، حيث شوهدوا في عدة صور ومقاطع فيديو، مع قيادات عسكرية في قوات النظام، فضلًا عن ظهور عناصر روس كمرافقة أمنية لبعض ضباط النظام.

لا معركة لكن القصف مستمر

بحسب توزيع قوات النظام، حول المناطق المحررة؛ نلاحظ أن معظم تلك القوات كانت موجودة من قبل، وبالتالي لا يشي هذا التواجد بوجود النية للقيام بعملية عسكرية كبيرة، ضد المناطق المحررة، قبل أن نرى حشودًا من دمشق وحمص ودرعا باتجاه المنطقة، ولكن على ما يبدو أن استراتيجية النظام وروسيا للضغط على السوريين، في هذه المناطق، هي سياسة القصف المنهجي للمناطق الآمنة، واستهداف المنشآت الطبية ومراكز الدفاع المدني، في استمرار لنهج روسيا منذ بدء عدوانها. كما يتم استهداف الأماكن الحيوية، مثل المخابز، ولا يبدو أن هذا القصف سيتوقف في المدى المنظور، ولا سيما أن روسيا لا تُخفي استخدامها قصف المدنيين، لابتزاز العالم الغربي في قضية المساعدات والاعتراف بسلطة الأسد من جهة، ولمنع أهالي هذه المناطق من العيش بأمان، والبدء بإنشاء مجتمع مدني حر بعيدًا من نظام الأسد.

_________________

(*) دراسة بعنوان “معنى الانتشار العسكري في إدلب” للباحث “غريغوري ووترز”، وهو طالب دراسات عليا بجامعة كاليفورنيا، وزميل في تحقيقات جمعية حقوق الإنسان بالجامعة، وباحث في النزاعات بمنطقة الشرق الأوسط، وذلك اعتمادًا على تحليل المعلومات المستقاة من المصادر المفتوحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق