هموم ثقافية

ماذا قالت الأفعى؟

لا يمكن إنكار ما للأكاذيب من فتنة، وللوعود من غواية، وهي تتوافق مع هشاشة الإنسان المجبول من وهمٍ وعجالة. وكما يتأرخ أول قتل مع قابيل وهابيل، فإن الغواية أسبق في الوجود. القتل حدث بعد السقوط، أما الخديعة فتمت في محراب الله وفوق أرضه، وكأنّها رسالة مغزاها أنّ “قصة الخلق لا تستقيم ولن تستقيم من دون وجود طرفي المعادلة: (خادع – مخدوع)”.

إن كل حكاية بالضرورة تنطلق من هذه الثنائية بين قطبي الحياة، في انحياز واضح إلى الطرف المخادع، ولوم للطرف الذي يقع عليه فعل الخداع، يقع اللّوم على حوّاء لأنّها صدقت الوعد. يكتب يوحنا الذهبي الفم في سفر التكوين: “كان عليها أن تصمت، كان يلزم ألا تبادلها الحديث، ولكنها في غباء كشفت قول السيد. وبذلك قدمت للشيطان فرصة عظيمة“.

يشير هذا النص إلى الحوار الذي ما كان على حواء أن تدخله مع الأفعى، إذ أعطت للشيطان فرصة أن ينفخهما برجاء باطل، وأن يخدعهما. فهو “لم يكن قادرًا على تقديم أي شيء عمليًا، وأكثر ما فعله أنه قدّم وعودًا في كلمات. هكذا هي شخصية المخادعين”.

هي أشبه بحكايةِ الطائر الذي خدعه الثعلب، وجعله يتكلم فسقطت منه السمكة التي كان يحتفظ بها. إن للكلام مفعول السحر؛ فهو لا يظهر الشيء من العدم، كما اعتقد فوكو. بل له القدرة على تبديل ما يقع تحت النظر.

شكلت الخديعة قوام السرود الأدبية المهمة، حيث نجد الشخصيات الرئيسية: خادع/ مخدوع تترافق، ويربط بينها جاذب قوي وعصي على التفسير. كما في رواية دون كيخوت، ورفيق دربه وحامل سلاحه سانشو “رفيق الوهم”. إن سانشو رأى كيف يحارب سيده طواحينَ الهواء، ويتعلل بوجود السحرة، ويتصرف بحمق، إلا أنّه صدق وعوده، وهو يحلم بالإقطاعية التي سَيهبه أيّاها، وهو يرفض الجلوس للأكل في حضوره.

فالخوذة الكرتونية والسلاح المتآكل والحصان الأعجف الهزيل، لم تكن لتفتح عينيه على حقيقة أنّ سيده مجنون. دون كيخوت هنا مضلِّل ومضلَّل، تضلل الكتب دون كيخوت ويضلل بدوره سانشو، يعده بإقطاعية من الإقطاعيات التي سيغنمها، ويقضي الرحلة في سبك الوعود له. من المنطلق نفسه يُطرَد كانديد من قصر سيده (الجنة بالنسبة إليه)، بسبب قبلة بينه وبين حبيبته كونيغوند. وهو كآدم، فأستاذه بانغلوس يوهمه بوجود ما يطلق “عليه خير العوالم الممكنة“. الذي يحدث أن كانديد يبدو أبله، وهو يبحث عن خير العوالم؛ فهو يتعرض للضرب وتُسرق نقوده ويخدعه الفرنسيون، بالقرب من حانة يلتقي كانديد ببلغاريان يدعوانه للعشاء، وهما يخبرانه أنّ الرجال يساعد بعضهم بعضًا، لكنهما يضربانه حتى الموت، ويقودانه إلى الجيش وهناك “وضعا الحديد في رجليه، وطلبوا منه أن يستدير لليمين ولليسار، وأن يرفع سلاحه ويخفضه، ثم يصوب، وبعدها ضربوه بالعصا ثلاثين مرة”.

تظهر الخديعة في كل مراحل التاريخ استكمالًا للمهمة الأصلية للشيطان. يعدُ السياسيون شعوبهم بغد أفضل، لكنّ الأمور تزداد سوءًا. يقود رجال الدين إلى الموت الكثير من البشر، بحجة خير العوالم الممكنة والحوريات (يفوق عدد الذين قتلتهم وعود السياسة والدين عدد الأحياء) يصف أيكو هؤلاء بالسذج: “إنّهم بنظره دواب تساق إلى المجزرة، يُستعملون عندما يراد وضع سلطة الخصم في أزمة، ويضحى بهم عندما تنتهي الحاجة إليهم”.

حين سُئل هيغل عن التاريخ أجاب: البشر يكررون الأخطاء ذاتها. لنقرأ هذا المقطع من رواية (ألعاب العمر المتقدم): “كانت القرية راسخة في العذاب. وكان الأهالي يدعون الأب بيلايو الذي ظهرت له العذراء ثلاث مرات، ويسألونه وهم يقدمون له البسكويت وحلوى الزنجبيل والقهوة: أيها الأب بيلايو أهكذا ستكون الأبدية؟”.

يصحح لهم: “بل أفضل، فهناك سنكون حكماء، وسنتمكن من التحدث في اللاهوت وتربية النحل، بينما نحن نأكل الرقائق مع العسل وحلوى شعر ملاك حقيقية. ولأن الجميع هناك عالمون بكل شيء، فنحن نوجه أسئلة لمجرد أن نسمع أنفسنا”.

تحكي الأسطورة الصينية أن سباقًا عُقد بين الحيوانات من أجل عبور نهر عظيم. استعاض الثعبان عن عدم كونه أفضل سباح، بركوبه خلسة على حافر الحصان، وعندما اقترب الحصان من خط النهاية، قفز الثعبان فأخاف الحصان وبذلك سبقه إليه.

يروي التاريخ عن ملوك وحكام قدموا الوعود لأتباعهم، وهم مكبلون بالأصفاد، كالمعتمد بن عباد: “في طنجة وفي طريقه إلى منفاه، منح ثلاثين مثقالًا للشاعر الحصري”. المشكلة هنا ليست بابن عباد ولا في منحه الوعود، بل في التالي: “وما إن سمع شعراء المدينة بهذا الجود؛ حتى توافدوا عليه طامعين في ماله، وهو الذي فقد كل شيء”.

يقال إن زوجة آدم الأولى كانت تدعى ليليت، حين فرت منه أصابه الحزن، وكي يسليه الله ويعزيه ويُذهب حزنه خلق حواء، التي لا تقل سذاجة عنه. لكن آدم ظل يحن إلى ليليت، وهو إلى اليوم يفر من حواء وبيت الزوجية للبحث عن ليليت.

مما يميز المخادعين أيضًا “التبرؤ من المخدوعين”، فالشيطان يقول لا ذنب لي سوى الوسوسة. دون كيخوت يكتشف أنه واهم، ويلقي بالمسؤولية على الكتب التي أضلته. الطامة هنا هي أن “المخدوعين لا يتعلمون من التاريخ“.

مالذي قالته الأفعى؟ ربما تكون قد تلفظت بالحماقات! لكن الأكيد أن ثمن الأكاذيب يظل يُدفع للأبد.

في سفر التكوين، يَعِدُ الله البشر بأنه لن يدمر الحياة على الأرض بالطوفان مرة ثانية، ويفي بوعده! لكن ماذا عن الحرب؟ الأوبئة، المجاعة، التفاهة، القتل، التهام الأجنّة، الاتجار بالبشر؟!

الأسئلة لا تنتهي فمذ قضمت أمنّا التفاحة المسمومة تحت نظر الأفعى، نحن ندفع الثمن. في رواية (ألعاب العمر المتقدم)، يظهر الشيطان لفليكس أحد الشخصيات الرئيسية ويقايضه، المقايضة بينهما فيها “معجم لكل الكلمات، وأطلس لكل الأماكن، وموسوعة لجميع معارف الإنسانية”، لكنّ فيلكس ينسى ليلًا ما حفظه نهارًا.

هل من حل؟

يجيب أيكو: “أقصى ما يمكننا عمله أن ننظر أحسن”.

وباعتقادي، الحل أن نعيد النظر في علاقتنا باللغة المثقلة بكذب التاريخ وأمجاده الزائفة، ونبدأ من جديد. بمعنى آخر: أن نحذر اللغة المُتخمة بالوعود، ففي ثنايا كل وعد تربض أفعى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق