مقالات الرأي

يتعلم الإنسان الرسم في المتحف

دُعيت إلى ندوة علمية، مع اثنين من كبار الأكاديميين الفرنسيين: الأول مؤرّخ سخّر حياته وإنتاجه للشرق العربي، وله عشرات الكتب المرجعية في هذا المجال. والثاني سفير سابق متخصص في مسألة الحدود، وله في هذا المجال أيضًا العديد من الإصدارات المتميزة. وكان الحديث يتطرق إلى مآلات الربيع العربي والثورات المضادة التي تحاول إجهاض تطلعات الشعوب، من عرب وأكراد وأمازيغ وسواهم، إلى الكرامة. وكانت الجلسة شديدة الجدية، وفيها حمولة كبيرة من الحزن، وقد انعكس هذا الجو على الحضور الذين بدؤوا رسم معالم الحزن الذي وصل ببعضهم إلى ذرف بعض الدموع. وبعد انتهاء كلام المتداخلين الثلاثة، لم يصفق أحد من الحضور؛ لأن الأمر لا يستدعي ذلك مبدئيًا، ولأن وقع الكلام كان قاسيًا إلى درجةٍ شلّت الأذرع والأكفّ عن القيام بأي مبادرة. وفجأة، صدر صوت جلبة غريبة في عمق القاعة، وخِلت أن هناك من يعترض على ما أوردناه ويريد الاحتجاج، حيث كان هناك مزيج من الصوت البشري وبعض ضجيج المقاعد. وإذ بنا أمام مهرجين اثنين، رجل وامرأة، خرجا من بين الصفوف واتجها إلى المنصة حيث كنا لم نغادرها بعد. للوهلة الأولى، شعرنا بأن هناك لغطًا ما في الأمر، وبأن المهرجَين كانا متجهين إلى قاعة أخرى في هذا المهرجان الكبير، والتبس عليهما الأمر ووقعا علينا؛ فتجهمنا في موقف دفاعي مشترك.

صعد الاثنان إلى المنصة، وبدأ حوار بينهما حول المحاور الأساسية لأحاديثنا، بطريقة تهريجية عالية المستوى. ولم تكد تتوالى الثواني حتى شعرنا بأن المهرجَين قد استوعبا الموضوع، وأنهما أحاطا بمجمل تعقيداته، وضجت القاعة بالضحك، وضحكنا نحن الثلاثة بصدق. لم أرغب في أن ينتهي المشهد، إذ لم يكن لي سابق عهد بمداخلة من هذا القبيل. صحيح أنني تعرضت في محاضراتي سابقًا لتعليقات من أبواق تناصر الطغيان والقمع ونظرية المؤامرة، وكنت أطلق عليهم صفة “المهرجين”، ولكنني، بعد هذه التجربة، عدلت تمامًا عن خلط الأمور. واتجهت إلى المهرجَين اللذين تبين أنهما يشكلان زوجين في الحياة، سائلًا عن السر في قدرتهما على الإمساك بخيوط موضوع بهذا التعقيد، من دون أي معرفة سابقة بما سنقول، فقد ارتجلا الكلام في تقديمه بصيغة فكاهية للناس؛ فتبين لي أن كليهما، إلى جانب الموهبة، تخرج من معهد العلوم السياسية.

مع تكاثر المحطات الفضائية العربية، كثرت الحاجة إلى إملاء ساعات البث الطويلة فيها؛ فلجأت الكثير منها إلى تكرار بث المواد عدة مرات يوميًا، متحججة باختلاف التوقيت بين أصقاع الأرض التي تدعي تغطيتها. ومن خلال تلك الحاجة، جنحت أيضًا المحطات إلى استعارة أفكار البرامج الترفيهية الناجحة، وتلفزيون الواقع، على سخافته أو سطحيته، مستنسخة برامج عالمية بإذن أو من دونه، فالحقوق الفكرية، كما في غير مجال أدبي وفني في العالم العربي، ليست من الأمور التي تحظى بأدنى أنواع الاحترام، في المنطقة العربية.

من خلال التأثر ببرامج الآخرين الناجحة، تبين للقائمين على هذه المحطات أن هناك حاجة إلى إدخال عنصر الفكاهة المُسيّسة في جدول البرامج، وهو عمل نجحت فيه كثير من المحطات الغربية. فقد تكاثرت البرامج من نوع “الفكاهة السياسية” التي تعتمد على أحداث سياسية حقيقية ومواقف وتصريحات مسؤولين موثّقة، ولكن عبقرية العاملين في المونتاج، وفي التعليق عليها بلغة ساخرة، شكّلت عنصرًا أساسيًا في إضفاء الفكاهة، وفي نقل الحدث السياسي، من حقل الجدية النسبية إلى حقل الاستهزاء الكامل. وذلك إلى جانب الدور الرئيس لمن يتنطّح لتقديم هذه البرامج، حيث إن عليه أن يتمتّع بالموهبة، كما بالعلم في الشيء. ويُجمع المختصون على أن الكوميديا هي من أصعب أنواع التمثيل أو التقديم.

برامج “الفكاهة السياسية” العربية تقع في فخ الاستسهال والاستغباء؛ فهي غالبًا ما تظن أن المشاهد سيضحك لأدنى “قفشة”، وأنه سيتمسك بمتابعتها لفقدان البدائل. وقد لجأت بعض البرامج، بحسب الهامش، إلى الملفات الجنسية المثيرة، كأي صحيفة صفراء لا تبيع. وظن البعض الآخر، على سبيل المثال، أن الحديث العنصري، وإن كان في مواجهة حدث أو خطاب عنصري مضاد، مصدرٌ للإضحاك. وقد بدا بوضوح مستوى الجهل بالسياسة، لدى من يُكلّف بتقديم هذه البرامج.

في تسعينيات القرن المنصرم، اشتهر في فرنسا برنامج (دمى الأخبار) حيث استنبط “مفكروه” دمية لكل رجل سياسة أو فن أو رياضة معروف، وصارت نقاشاتهم اليومية بطريقة “الفكاهة السياسية” مصدرًا للتحليل السياسي أكثر من الأخبار نفسها. ووصل الأمر بهذه الدمى إلى أن ساهمت في إعادة انتخاب جاك شيراك للرئاسة سنة 2002، بعد أن تعاطف الجمهور مع دميته التي كانت تتعرض لجميع أنواع الخيانة والطعن في الظهر.

في صحراء “الفكاهة السياسية” العربية، مع بعض الاستثناءات التي تأتي أحيانًا حتى من قادةٍ لا يحتاج الإنسان إلا إلى متابعة تصريحاتهم، للوقوع في حالة الضحك الهستيري، يمكن أن يُقترح على من يرغب في الخوض في هذا الحقل أن يتابع، ساعات طويلة، ما قام به الآخرون في الغرب، وقد سبق أن قال النحات العظيم أوغست رودان: إن الإنسان يتعلم الرسم في المتحف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق