مقالات الرأي

الثورة والعقاب!

أبواب الجحيم مشرعة للسوريين، تطالهم ألسنة لهبٍ ما زالت تصْليهم منذ سنوات ثماني، لم يتوقف فيها القتل يومًا. جحيم تكالبت فيه حكومات العالم قاطبة، والأمم الصامتة الخاضعة لها، على السوريين لأنهم تمردوا على الاستبداد. ولأن الطغاة سادة الأرض بما حملت، أرادوا للثورة السورية أن تُخنق، وعملوا بجهدٍ وجد غير معهودين في المنطقة، من أجل أن تُطوى صفحات الربيع العربي، وأن تغلق الدروب والمسارب أمام تحقيق الغايات التي خرجت من أجلها الجموع إلى الشوارع.

لقد جربت القوى المناهضة للثورة السورية، منذ البدء، سياسات الحل الأمني ومن ثم استخدمت السلاح، بأنواعه الفتاكة المحرّمة، لتحول دون إسقاط الاستبداد، لكنها –على الرغم من المحن والهزائم- لم تستطع وأد الثورة السورية. ومع أن البلاد آلت في معظمها إلى خراب ويباب، فإن رياح الربيع هبت من جديد، لتمنح الثورة السورية ألقًا وأملًا جديدين، ينبعان من عمق المرارة والمعاناة.

ومع حلول الذكرى الثامنة لانتفاضة السوريين (15-18 آذار/ مارس 2011) يتعرض المدنيون، كما هي الحال منذ سنوات، لهجمات عسكرية جوية منظمة من قبل النظام الأسدي، في ريفي إدلب وحماة، منذ أيام، بدعم لوجستي مباشر من القوات الروسية وإيران، تُستخدم فيها أسلحة محرّمة دوليًا هي القنابل الفوسفورية والعنقودية، هذا من حيث العمليات العسكرية المباشرة التي لم تتوقف على الإطلاق، لكن ارتفاع مستوى الهجمات، من حيث شدة المواد المتفجرة المستخدمة، ومن حيث كثافتها وانتظامها كعمليات عسكرية واسعة وشاملة ضد المنطقة، يشير إلى أن روسيا وإيران قد قررتا المضي قدمًا في اختراق كل الاتفاقات التي تم التوصل إليها سابقًا عبر الطرف التركي، كضامن لوقف تصعيد العمليات العسكرية، في منطقة إدلب على وجه الخصوص.

يأتي ذلك في تطور لافت، بعد انتهاء الاجتماع التركي الروسي الأخير، بشأن تسيير الدوريات المشتركة، وهو الذي لم ترشح عنه معلومات تؤكد التوصل إلى حلول للمسائل الأمنية العالقة بينهما، في سياق أستانا وخاصة اتفاق سوتشي. كما أنه يأتي بعد أيام على استدعاء طهران لرأس النظام السوري. هذه المؤشرات تدل على عمق الإشكالات التي تحول دون التوصل إلى تفاهم نهائي بين أنقرة وموسكو، والسبب هو استمرار روسيا في محاولة فرض استراتيجيتها المتعلقة باستعادة السيطرة على جميع المناطق، وأن أستانا ليست سوى تكتيك لخدمة تلك الاستراتيجية.

مع مرور الوقت، ينفد صبر موسكو، التي تبدو في عجلة من أمرها، كما هي العادة، لقطف ثمار أي تطور سياسي وأمني في المنطقة يحقق مصالحها، خاصة أن هناك معلومات تتواتر اليوم، عن استخدام روسيا لنوع جديد مطوّر من القنابل الفوسفورية، يتمّ تجريبه في إدلب، كما جُرّبت من قبلُ أسلحة أخرى، منذ أيلول/ سبتمبر 2015، اعترف بها قادة عسكريون روس قبل نحو عامين، وأكدها وزير الدفاع الروسي شويغو، الاثنين الماضي، بالقول: “إن روسيا اختبرت 316 نموذجًا من الأسلحة الحديثة، في سورية”.

يتم ذلك في انتهاك لا لبس فيه للقوانين الدولية، والاتفاقات ذات الصلة، وهي اتفاقات توجب المحاسبة الدولية. لكن نظام الأسد لم يُحاسَب عن أي جريمة مماثلة، حتى اليوم، وهو يستند إلى دعم قوي في مجلس الأمن من قبل روسيا والصين، وإلى استخدام الولايات المتحدة أيضًا لهذا السلاح في سورية والعراق.

ووفقًا للمادة الثالثة من اتفاقية جنيف، يُحظر استخدام الأسلحة الحارقة ضد الأهداف المدنية، كما يحد البرتوكول الخاص بالفوسفور الأبيض من استخدام تلك الأنواع ضد الأهداف العسكرية المتاخمة لمواقع المدنيين.

في واقع الأمر، ثمة إحالات أخرى، فقد استخدمت واشنطن الفوسفور الأبيض والقنابل العنقودية، قبل أيام، ضد بقايا (داعش) المتحصنة في قرية الباغوز، على الحدود السورية – العراقية، كما أن الولايات المتحدة لم تجرّم -رسميًا- جرائم القوات الروسية التي تستهدف المدنيين، بدعاوى محاربة التطرف والإرهاب (جبهة النصرة مثالًا). ولم يتضمن حديث المبعوث الأميركي الخاص بشأن سورية جيمس جيفري، مؤخرًا، أي إشارة إلى الدور التخريبي العدواني والهدام الذي تقوم به روسيا، وتهدف من خلاله إلى تقويض أي تسوية سلمية ممكنة، ومن ضمن ذلك مسار جنيف التفاوضي، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. ويبدو أن هناك ملامح مرحلة جديدة، بشأن الشمال السوري، بين تركيا وروسيا، تقف الولايات المتحدة منها موقف المتفرج المؤجج، في ظل عدم وضوح حقائق “الاستراتيجية السرية” للبيت الأبيض بشأن سورية.

ثمة ملمح آخر يمكننا الإشارة إليه، في صدد ذكرى انطلاقة الثورة السورية، وهو تزامنها هذه المرة مع انتفاضتين مهمتين في العالم العربي: السودان والجزائر، وهما بَلدان تربطهما علاقات وثيقة مع النظام الأسدي، ما يعني تجدد روح الربيع العربي، وأن التوعّد بأن ما يحدث في سورية يمكن أن يصيب أي شعبٍ يفكر في التمرد على مستبديه، لا يمكن أن يشكل رادعًا ضد إرادة الجماهير والشعوب التي تنتفض من عمق القهر، خاصة أن انتفاضة الشارع الجزائري أربكت نظام بوتفليقة، إلى درجة الإعلان عن وقف المضي بـ “العهدة الخامسة”.

وبانتظار تطورات ما يحدث في الجزائر، فإن ما يجري اليوم في شمال سورية يأخذ صبغة مواصلة إنزال العقاب الأشد بالثورة السورية، لأنها كسرت حاجز الصمت والخوف معًا. ولذلك فإن إحراق إدلب وريف حماة الشمالي بالفوسفور الأبيض، بمثل هذه الصورة، وهو تأكيد من النظام الفاشي الأسدي وحلفائه المجرمين في موسكو وطهران، على الاستمرار في الانتقام من السوريين، بأشد الأسلحة حرقًا وقتلًا وتدميرًا، بصورة لم نشهدها من قبل.

ومع التضحيات الكبيرة التي تتعاظم، في سورية، فإن خروج موجة جديدة من الربيع العربي يعني أن طوفان الشعوب لا يمكن وقفه، أو السيطرة عليه وإخماد جذوته، وأن الاستبداد سوف يسقط لا محالة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق