هموم ثقافية

“الفَضذاعيّات” وثقافة السمع والطاعة

أذكر في السبعينيات من القرن الفائت، كما في الستينيات منه، أن إذاعة (هنا.. لندن) لعبت دورًا خبيثًا في الترويج للشائعات وتحويل الكذب إلى (صدق)، خاصة في حربها على الرئيس عبد الناصر الذي أحيا العداءَ الحقيقي لرجل الشارع العربي ضد “إسرائيل” والاستعمار البريطاني والفرنسي، لدرجة أن رجل الشارع هذا كان يصدق ما تقوله هذه الإذاعة، لأن عندها “الخبر اليقين”، ويأخذ كلامها على محمل الجد، فيوثق رأيَه بما قالته إذاعة (هنا.. لندن) بالقول: هكذا قالت إذاعة لندن. على أنه قول لا يأتيه الباطل لا من فوقه ولا من تحته. وهذا الأمر من صلب استراتيجيتها التي تخدم مصالحها وأنشطتها الخطرة في النيل من ثقافتنا ومن ذاكرتنا الجمعية. وكما تفرغت لمحاربة عبد الناصر، كانت تحارب “الشيوعية” في الزمن السوفيتي، بالتهليل للإثنيات والأعراق والطوائف والمذاهب/ العقائد، بما يعمق الخلافات والصراعات بين هذه الفرق. هذه الاستراتيجية ما تزال قائمة، فهي لم تهدمها أو تغيرها. وها هي تتدخل -إذا لم تصنع كما فضائيتها- في حياتنا، وخاصة في برامجها الحوارية التي تتحول إلى ورشات عمل، تريد خلق رأي ثالث هو (رأيها) الذي على المستمع أن يتبناه ويدافع عنه، سواء كان عن الديمقراطية أو المجتمع المدني أو الربيع العربي، أو عن قضايا تحرر المرأة والاهتمام بالطفولة.

إن إذاعة (هنا.. لندن) أو (bbc) وكثيرٌ غيرها من “الفَضْذاعيّات” هي صاحبة مصلحةٍ كبيرةٍ وعميقةٍ في التدخل في عقلنا وجسدنا، في سلبه والاستيلاء عليه، كما تفعل معظم الفضائيات، فهي تقر شكلًا من الوعي، وتؤكده في برامجها ونشراتها بشكلٍ مثيرٍ وجذاب، فيزيد استهلاكنا له بقصد الربح ربحنا، مع أن هذا أمرٌ -بلا شك- مرهقٌ ومكلفٌ لها، لكنه شغلها وعملها ودورها، وهي الإذاعة/ الفضائية التي لا تتوانى في التدخل في وعينا وحريتنا، لتحويلنا إلى قطعان.

لو رجعنا إلى الماضي وإلى أدبيات الفضذاعيات العربية، فسنجد أنها كانت تقدم الترفيه والتسلية، مع شيءٍ من تربية الذوق بالخَبَر والمعلومَة، بضميرٍ مهني حي. أما اليوم فهي تقوم بدور تسطيح الوعي وتتفيه الفكر، وتسفيه العقل، وتحويل المتلقي إلى ضحية. فتمارس عملياتٍ أكثرَ عسكريةً من الاحتلال العسكري، من كثرة ما فيها من القمع والسلب والبطش والذبح، باعتبار أن المستمعَ/ المتفرجَ هوَ هدف الأهداف لمثل هذه الفضذاعيات، هذا عدا أن هناك عمليات تَنافس وصراع بينها بقصد الصيد صيد الناس وإيقاعهم في فخاخها، حتى إنها تقوم بصوغ الرأي العام لجمهرة الناس، بما يتناسب ومعتقداتهم السياسية والدينية، ذلك لفرض هيمنتها على هؤلاء البشر وللفتك بهم – بنا، حتى تحقق الوعي المطلوب عندنا والذي سيعمل لحسابها، وكأننا -الجمهور- نتعامل مع فضذاعيات تَسودنا بمنطق (المافيا)، تحكمنا وتتحكم في رأينا من بعد، مافيات تحولت إلى كائنات مفترسة باعتبارنا ضحايا طغيانها الإعلامي.

ولو قمنا بمراجعةٍ لبعض برامج “هنا لندن” فسنجد أنها إذاعة استعراضية نمطية، تلعب في برامجها التي نذكر منها: “إكسترا bbc، نقطة حوار، صندوق النغم، عالم الظهيرة، نشرات الأخبار المتخصصة”، إلى آخره. تلعب على لحظة مجمدة من الزمن، فهي تعيد وتصقل وتكرر إذاعة هذه البرامج، على مدى أسبوع، حتى يسمع الذي لَم يسمع، إضافة إلى أنها تطرح أسئلةً استهلاكية عبر بثها من مثل: ما رأيك في الربيع، ما رأيك في الرئيس أو الوزير الفلاني تبعًا لطبيعة الحدث الميداني، أو ما رأيك في موقف أميركا، أو روسيا، من الموت الذي يحصد البشر في أمكنة ما على الكرة الأرضية.. وذلك بقصد إشراك المستمع في صناعة لحظة إذاعية، باعتبار أن المستمع له الحق في أن يقول رأيه، ويقول ما يقول، وأن الإذاعة إذاعته، أو بدقة أكثر، هي بيته.

إن “إذاعة لندن”، والمستمع المتتبع لها، هي في كثيرٍ من برامجها تقوم بإسباغ ثوب الثقافة أو الأدب أو العلم أو الدين أو الفن عليها لتشوه عقائد فلسفية، وهي بالأساس على عداء تاريخي معها! ما معنى، وهذا على سبيل المثال، أن تروس برنامجها “صندوق النغم” بقولٍ للإمام الغزالي يجيز الاستماع إلى الموسيقا!؟ وهنا نسأل: من أفتى بتحريم الاستماع إلى الغناء والموسيقا، فيما الدم الإنساني يغرق الأرضَ بقراراتٍ تكفيرية أميركية وبريطانية الصنع؟! أيهما الحرام: إراقة الدماء بلا سبب، أَم الاستماع إلى الموسيقا؟ وكثيرًا ما تستغل غضب الناس في بلدٍ ما، بسبب جوع إلى الحرية أو العدالة، لتؤدلجَ الغضبَ وتصير المحامي والمنافح عن حقوق الناس، فيما هي تفتت وعيهم، بل تعمل على تصفيتهم بالموت المعنوي، وهذه جريمة تقترفها معظم “الفضذاعيات” وليس الـ bbc فحسب، وهي من الجرائم التي لا تحاسب ولا تلاحق عليها القوانين الأممية.

أخيرًا، وهذا جوهر القصيد، نلاحظ أن معظم برامجها -وهذا الرأي ينسحب أيضًا على أغلب المحطات الفضذاعية العالمية بما فيها الكثير من الفضذاعيات العربية- تحاول نزعَ القداسة عن الاجتماعي والديني، وذلك من أجل تقديس “العولمة” ونزعتها اللاإنسانية، وهنا يجب أَن نقرّ بأن هذه الفضذاعيات لا تنتج المعرفةَ والعلم وتروّج لهما، وإن بدا أنها تفعل ذلك فإنما تفعله لتدَجنَنا، فنقبل بما تقدّمه، ذلك على مبدأ (الاعتقاد) وليس (السؤال). وخاصة أننا نصغي، أي أننا أمة سميعة، وما علينا إلا التصديق والطاعة، ولا سيما أننا تعودنا ثقافةَ السمع والطاعة، من كثرة وقوة الإرغامات السمعية الإيمانية في نصّنا، فلا شك ولا رفضَ ولا جدال. وهنا يجب ألا نغفل عن أن خطابَ مثل هذه القنوات يقوم على استراتيجية أن المستمع والمتفرج العربي يتم تدجينه وتلقينه العلوم والمعارف، عن طريق بوصلة الإصغاء إلى النص وليس التمرد عليه، مع أن السمع لم يكن، منذ بدأ الإنسان التفكير، سيدًا على المعرفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق