مقالات الرأي

سورية الدولة الموءودة

الدولة السورية، بحدودها السياسية الحالية، حديثة التكوين، حيث تشكلت على أنقاض الدولة العثمانية، نتيجة اتفاق (سايكس-بيكو) المعروف لتقاسم النفوذ الغربي على المشرق العربي.

قبل أن تلتقط الدولة السورية الوليدة أنفاسها، وتشرع في بناء مؤسساتها الدستورية، خضعت للاحتلال الفرنسي الذي دام ربع قرن ونيف من الزمن، ثم أهدر انقلاب حزب البعث على السلطة، ثم حافظ الأسد وابنه بشار من بعده، أكثر من نصف عمر الدولة، فيما ضاع الربع المتبقي من عمرها في انقلابات عسكرية، وفي سنوات من الوحدة مع مصر ثم الانفصال عنها. ويظهر استعراض مجمل القرن السوري الفائت من تاريخ الدولة السورية سجلًا أسود، لا تكفي بعض الإضاءات الجميلة في مراحل قصيرة لتغيير ملامحه التعيسة.

دفعت بلاد الشام على الدوام فاتورة باهظة من الدماء والخراب، كضريبة عن تاريخها الحافل الغائب الحاضر والضارب في عمق الحضارة البشرية، وتحولت فرادة موقعها الجغرافي، من نعمة إلى نقمة جلبت لها الغزاة والطامعين من أصقاع الأرض.

لم يُكتب لثلاثة أجيالٍ سورية رافقت عمر الدولة العيشُ بحرية، قضى جيل منها تحت احتلال فرنسي وانقلابات عسكرية متتالية، فيما اغتُصبت حقوق جيلين بالكامل من قبل نظام حزب البعث والأسد، وتم إفشال بناء مؤسسات وطنية، والعمل على تكريس سلطات هيمنة وقمع، كما تمّ وأد مشروع دولة سورية متطورة، في خمسة مفاصل حاسمة.

حدث المفصل الأول مع دخول قوات الاحتلال الفرنسي البلاد عام 1920، بعد أشهر من إعلان الاستقلال السوري الأول، حيث عطلت على الفور عمل السلطات الوطنية، ومشروع المجلس التأسيسي في إقرار دستور للبلاد، وتنكرت فرنسا فيما بعد لنص صك الانتداب الذي دخلت البلاد بذريعته، وهو صك يفرض عليها المساعدة في تحقيق نهوض البلاد، وتأهيل سلطات وطنية لاستلام الحكم، وقامت بإحداث تقسيمات إدارية مختلفة تحت وطنية، بمسميات مناطقية وطائفية، وتشجيع نعرات انفصالية، ومنع تشكل هوية وطنية سورية جامعة، وقد واجه الساسة السوريون الوطنيون تلك السياسات الاستعمارية بقوة وحزم، ورفضوا التخلي عن السيادة الوطنية، ورفضوا تمرير المادة 116 من الدستور، وتحدوا المندوب الفرنسي الذي أراد فرضها بالقوة، وربما يوازي ذلك الموقف حجم وأهمية الثورة السورية الكبرى، كونها تشكل وعيًا مبكرًا بالاستقلال السوري الحقيقي.

مثل المفصل الثاني فاجعة وطنية، تمثلت بانقلاب أميركي التدبير نفذه حسني الزعيم، لتمرير اتفاقيتي التابلاين والهدنة مع “إسرائيل”، وهو ما فتح الباب أمام الانقلابات العسكرية وحكم العسكر في البلاد العربية، وتعطيل الحياة السياسية والدستورية.

استطاعت سورية تجاوز آثار محنة الانقلابات، والانتقال نحو مرحلة متقدمة من الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، استمرت لفترة ذهبية قصيرة بين عامي 1954 و1958، حيث جاء عهد الوحدة مع مصر ليضيف أزمة وطنية ثالثة، من خلال  القمع والاستبداد وتعطيل الحريات السياسية، الذي أنهى حلم الوحدة وأضعف قيمتها الجماهيرية.

الكارثة الوطنية الثالثة التي ما نزال نعيش تفاصيلها جاءت مع انقلاب حزب البعث في 8 آذار/ مارس 1963، حيث فرض التحول نحو دولة شمولية فوق وطنية، ضمن حجج أيديولوجية اشتراكية وقومية، وتعطيل كامل للحريات السياسية والفكرية، وتجيير مؤسسات الدولة لصالح الحزب الحاكم.

بعد سنوات من صراعات دامية، بين أجنحة حزب البعث؛ جاءت المرحلة الرابعة، وهي الأشد سوءًا في التاريخ السوري برمته، مع انقلاب حافظ الأسد عام 1970 الذي حول سورية ملكية على مقاسه، ضمن نظام خاص ودستور ومؤسسات شكلية تديرها أجهزة الاستخبارات والعسكر ومراكز القوى والنفوذ التي تتحكم في مقدرات البلاد.

جاءت المرحلة الخامسة من وأد الدولة السورية، وهي الأشد خطرًا على مستقبلها، مع توريث الحكم لبشار الأسد عام 2000، بعد وفاة والده حافظ، عبر تعديل دستوري هزلي، وهو ما أكد طبيعة نظام الأسد الاستبدادية الوراثية، ولم تنفع محاولات تجميل النظام بإصلاحات شكلية، وانفتاح محدود لم يلبث أن ظهر أنه مجرد استمرار لنظام الأب والبعث.

شكلت الثورة السورية فرصة حقيقية لإعادة تشكيل الدولة السورية المختطفة منذ قرن، والموءودة على مراحل، ولإعادة الروح والحرية للشعب، لكن نظام الأسد وقف في وجه المطالب الشعبية المحقة، وقام بعملية وأد كبرى للدولة والشعب معًا.

على الرغم من وأد مشروع دولة عصرية في مهده، فإن السوريين باتوا متأكدين أن حلمهم لن يتحول إلى حقيقة قبل إسقاط نظام الأسد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق