سلايدرقضايا المجتمع

المرأة السورية.. بين التهميش و “رفع العتب”

منذ بدايات الثورة في سورية، كانت المرأة السورية حاضرة في كل ميدان ومكان، ومع التقدم في سنوات الثورة، بدأت النساء والفتيات يدفعن ثمن ثورة السوريين ونضالهم وسعيهم للحرية على الصعد كافة، لكن المتابع للمشهد الثوري السوري يمكنه أن يُلاحظ -بسهولة- عدم وجود مشاركة نسائية فعلية، في العمل السياسي وفي أجسام الثورة السياسية، سواء أكانت هذه المشاركة من حيث العدد أو الأهلية.

يمكننا أن نرى بضعة أسماء، ووجودًا غير كاف لبعض السيدات، سواء في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، الجسم السياسي الممثل الرسمي للثورة، أو هيئة التفاوض، التي شُكلت لاحقًا للتفاوض مع النظام، وما أُلحق بها من لجان أو ما يتبعها من الأجسام الثورية الأخرى.

يمكن للمطّلع على الحال في داخل سورية أن يرى ويقّيم جيدًا الدور الفاعل والمؤثر للسيدات والفتيات في الداخل السوري، فمنذ بداية التظاهرات السلمية في كل المحافظات حتى الساعة، كانت هناك أعداد هائلة من النساء، ممن لهن أدوار فاعلة، من خلال منظمات المجتمع المدني والإغاثة والتعليم والإعلام، على سبيل المثال.

ما عانته المرأة السورية في السجون والمعتقلات وحده يحتاج إلى مجلدات للحديث عنه، فقد قدّمن التضحيات، اعتُقلن وعُذّبن، قُتلن واغتُصبن، والكثيرات منهن خرجن ليُكملن مواجهة قسوة الحياة وجورها، مع رفض المجتمع والعائلة لهن أيضًا.

كذلك، لم تكن معاناة النساء السوريّات أقل وطأة وقسوة خارج المعتقلات، فقد عملن بجد، على الرغم من كل الظروف القاسية والصعوبات، ولا يمكن أن نغمض العين عن إنجازاتهن وقوتهن وثباتهن، وهن جزء أساس من انتصار الثورة وقوتها، وعلى الرغم من كل الصعوبات، اعتلين المنابر ليوصِلن صوت الهمّ السوري، ويسعين دائبات من دون كلل لمعالجة ما أمكن من آلام.

وإذا خرجنا من الدائرة العملية على الأرض، وانتقلنا إلى الحديث عن المناصب والمراكز والتمثيل في المؤسسات؛ فإننا -مع الأسف- لا نجد، حتى من حيث العدد لا الكفاءة، النساءَ في هذه الأطر.

“أين الخلل وأين العلة؟!” سؤال يطرح نفسه، ولا بد من الإجابة عليه، ولا سيما أن عدد النساء يتجاوز نصف تعداد السكان في سورية، ولا بد من أن يكون لهنّ دور فاعل في صناعة القرار، وخاصة أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة ذات منعطفات في تاريخ سورية، ويجب أن لا ينحصر دور المرأة في فرض بضعة وجوه نسائية في بعض المنصات، حيث يكاد يكون التمثيل السياسي ودور السيدات ليس أكثر من وجود جمالي وتجميلي و”رفع عتب” إلا في بعض الاستثناءات النادرة.

إن كنا نتحدث عن المرأة، ونعلل الهامشية والتهميش في وجودها ودورها، فلا مفرَّ من الاعتراف بالدور السلبي للثقافة وطبيعة المجتمع الذكوري الذي كان غالبًا -وما يزال- طاغيًا على المجتمع السوري، تلك الطبيعة التي شوّهت المفاهيم والقيم، وزعزعت الثقة بالنفس، حيث أضحت المرأة السورية نفسها لا تثق بقدرة المرأة  على أن تكون في مواضع اتخاذ القرار، ولا تثق بحكمتها ولا بقدرتها على خوض غمار السياسة والقانون ومهام صقل المجتمع.

يحق للسوريين الذين ثاروا على نظامٍ ظلمَ المرأة بقوانينه، أن يتساءلوا: لماذا لم تتولَّ سيّدة، من النساء اللواتي لهن تاريخ معروف ثوريًا، منصب رئيس للائتلاف مثلًا عبر دوراته المتتالية؟ ولماذا يجب أن يكون هناك “كوتا” وكراسي محجوزة مسبقًا، لتضمن المرأة السورية بعض المناصب في الائتلاف أو هيئة التفاوض مثلًا؟ وهل العقل الذكوري هو السبب؟ أم حكم القوي على الضعيف؟ أم هو حرب النساء على النساء، أم هو بالفعل عدم كفاءة لقيادة مستقبل وحاضر سورية؟!

في المقابل، يمكن التشديد على أن المرأة السورية المثقفة والواعية والمُدركة التي تحمّلت الاعتقال والتعذيب والعنف، ثم خرجت من السجن لتكمل حياتها وترعى أبناءها وواجهت مجتمعًا قاسيًا وظروفًا حياتية صعبة، هي امرأة قادرة على أن تكون -كأيّ امرأة في المجتمعات الغربية- وزيرةَ دفاع أو رئيسة وزراء أو رئيسة دولة.

أهم ما يجب التنبيه إليه، في هذه المرحلة، هو ضرورة أن تمنح المرأة السورية في كل مكان، داخل سورية وخارجها، فرصة الثقة بنفسها، وبالمرأة عمومًا، وبأنها قادرة على صنع التاريخ والحضارة، بشكل مباشر أو غير مباشر، وبأنها قادرة أيضًا على التأثير في مجرى الحدث وصناعة فرق، وقادرة على “إعداد شعب طيب الأعراق”، وتغيير مجتمعات ورفع أمم وإعلاء كلمة حق، وأن تنتبه كل امرأة سورية إلى أن العالم في حاجة إلى فكرها ونور عقلها وحسن تقديرها، وعليها السعي من دون كلل، ليكون لها الدور الرائد والفاعل في كل مفصل من مفاصل الحياة، بدءًا من دورها كأم، وزوجة تُساند زوجها وتُمهّد له درب النجاح، إلى سيدة مؤثرة في المجتمع المحلي والمحافل الدولية، لها في كثير من “نساء الثورة” قدوة تفخر بهن.

لا بدّ أخيرًا من رسالة إلى رجال سورية أيضًا، ممن تملأ نفوسهم نظرة دونية تجاه المرأة، واعتقاد راسخ بأنها أداة للمتعة وللمنزل، وجمال للمجلس والسمر لا أكثر: هلّا أدركتم أي دور خطير قد يقوم به نصف سكان سورية، إذا ما أُحسن تأهيله وتدريبه ورعايته والثقة به، وأي طاقة يخسرها السوريون، لو تم تهميش المرأة، خاصة في مرحلة حرجة ومفصلية كالتي تمر بها سورية الآن!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق