هموم ثقافية

مخاض الإبداع السوري المهاجر

“الأدب المهجري” كان أحد المقررات في الثانوية العامة/ أدبي، في السبعينيات وربما الثمانينيات، وكان الهدف من تدريسه ليس لأنه شكل ظاهرة أدبية جديدة فحسب، بل لأنه ينضح أولًا بالعاطفة القومية وحب الوطن، والحس الإنساني! وهو يدرس أسباب الهجرة، وخصائص هذا الأدب وبنيته وأهدافه ولغته، كما يدرس أعلامه، مثل جبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، وميخائيل نعيمة، ونسيب عريضة، وإلياس فرحات، وغيرهم…

في التعريف، يُطلق اسم شعراء المهجر على الأدباء الذين هاجر أغلبهم من بلادهم العربية إلى دول أوروبية وأميركية، أواخر القرن التاسع عشر/ بداية العشرين، بسبب الفقر والجهل وبطش العثمانيين، وكانت معظمهم من بلاد الشام، ثم أُطلق عليهم بعد ذلك اسم المُغرّبين أو المغتربين بدلاً من المهاجرين! فما هو الاسم الذي يمكن أن نطلقه على عشرات، وربما مئات الأدباء العرب، وأخص السوريين الذين هُجروا قسرًا، بسبب الإرهاب السياسي، أو تركوا مدنهم وقراهم وبيوتهم المدمرة، بسبب الحرب التي شنت عليهم، ويعيشون اليوم –مكرهين- في شتى بقاع الأرض؟ هل نسمي أدبهم أدب المنفيين أم المشردين أم اللاجئين؟ الجواب الأقرب لهذا المقال –على الأقل- هو “أدب المشتتين” وهم كذلك! لأن خلاصهم فردي، إن لم نقل أناني، ولأن هويتهم شخصية بالفعل! وهذا ما منع إبداعهم من التبلور والمأسسة. وربما كان هذا –أيضًا- أحد الأسباب التي لا تسمح بأن نطلق على أدبهم اسم “الأدب مهجري”.

الفرق كبير–بلا شك- بين هجره الأجداد وتجربة الأحفاد المأسوية؛ وإن كان الجوهر واحدًا. فهجرة الأجداد أدت إلى قيام مدرسة شعرية سميت “شعراء المهجر” و”رابطة قلمية” (أسسها عبد المسيح حداد عام 1920 وكان جبران خليل جبران أحد أعمدتها) و”عصبة أندلسية” (أسسها عدد من الكتاب والأدباء العرب في مدينة ساو باولو البرازيلية، مطلع عام 1933، وكان رئيسها وممولها ميشيل معلوف، ثم الشاعر القروي رشيد سليم الخوري بداية من 1958) وغيرها من حلقات الأدب العربي التي كانت مهمتها دعم تلك “المدرسة الشعرية” وتنظم توجهاتها الفنية والفكرية، والتي دعت –حينذاك- إلى التمرد على الأوضاع في الوطن، وإلى “الحريّة والإنصاف في الغربة”.

لقد وحدت هذه الرابطة وتلك العصبة أدباءَ المهجر، وكان هدفها الحفاظ على الهوية واللغة العربية وآدابها، وقد تحدث ميخائيل نعيمة بوضوح عن أهداف وأفكار الرابطة القلمية، في كتابه (الغربال). وعلى الرغم من أن هؤلاء “الأجداد” عجزوا عن تحقيق طموحاتهم في الغربة، فإن المحاولة وحدها، كانت شرفًا لهم. لقد تعرفوا إلى الثقافة الغربية وتأثروا بها، ما دفعهم إلى الاهتمام بالمعاني العميقة في الشعر، أكثر من الألفاظ المزوقة، والحرص على روح القصيدة العربية أكثر من شكلها. وقد فتحت دعوتهم للتغيير الباب أمام التجديد والحداثة في الأدب العربي، للتخلص من الأساليب والقيود الشعرية والنثرية القديمة، فما الذي أضافه “الأحفاد” المهجرون؟ وما هي الخصائص التي تميز فنهم وإبداعهم؟ لقد تمكن بعضهم من الوصول إلى “العالمية”، وبخاصة في مجال السينما والمسرح والموسيقى… لكن جل ما أخشاه أن يختلط علينا الأمر، فلا نميز، إن كان هذا من باب التعاطف والعطف “الاستشراقي” مع القضية السورية، أم أن السوريين في الشتات تمكنوا، حقًا، من إثبات وجودهم بجهودهم الخاصة، والوصول بإبداعهم إلى مستوى العالمية؟ لا شك لديّ في طاقات السوريين وقدرتهم على التفوق الإبداعي، إذا ما هُيئت لهم الشروط المناسبة، لكن ذلك لا يتضح إلا من خلال مؤسسات سورية، من مثل “الرابطة القلمية” و”عصبة أندلسية”، تستطيع أن تؤطر وتنظم وتؤرشف وتعرف وتدفع الأدب السوري نحو الأمام، فرابطة الكتاب السوريين وغيرها من التشكيلات الثقافية “المهاجرة” (ولا أريد هنا أن أتحدث عن التشكيلات السياسية) لم تكن أكثر من ردة فعل انفعالية على المؤسسات الرسمية الموالية للدولة (اتحاد الكتاب العرب وغيرها)، وهي لم ترتقِ –بعد مرور ثمان سنوات على الثورة- إلى مستوى الإبداع والمبدعين السوريين، ولم تصدّر لنا –حتى الآن- سوى الخلافات والفساد والإداري وربما المالي، والمهاترات الفردية والشتائم والقرف والإحباط الجماعي! وكلنا أملٌ أن تتغير هذه الحال أخيرًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق