ترجمات

الجيد والسيئ والبشع في قمة الولايات المتحدة وكوريا الشمالية في هانوي

بعد أن عبرت مواكب السيارات، من دون عوائق على طول شوارع هانوي المزدحمة عادة، والمتفرجون يلوحون بالأعلام، بعد وجبة لذيذة من كوكتيل الجمبري وشرائح اللحم، وأسابيع من ترقب وسائل الإعلام، والتعبير عن الاحترام المتبادل والإعجاب، بين الرئيس دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون؛ انتهت القمة الكورية الثانية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، في هانوي إلى…. الحفاظ على الوضع القائم.

انتهى اجتماع القمة بين كيم وترامب في وقت مبكر. ولم يكن هناك بيان مشترك، كما كان متوقعًا على نطاق واسع. الآلاف من الصحفيين الحائرين الذين كانوا يخيمون خارج القاعة لتصوير المشهد يحزمون أمتعتهم ويغادرون، وغادر موكب كيم بسرعة، بينما كان أفراد من حاشيته يسارعون إلى القفز إلى السيارات المتحركة. اشتعلت وسائل الإعلام بتكهنات حول ما حدث، بينما يراهن الخبراء على أن القمة كانت فاشلة أو ناجحة. لم تكن ناجحة ولا فاشلة، بل كانت ناجحة وفاشلة معًا.

أولًا، الجيد فيها. كان كيم يعرض صفقة سيئة، وكان الرئيس على حق في رفضها. ووفقًا لوزير الخارجية الكوري الشمالي الذي عقد مؤتمرًا صحفيًا نادرًا في اليوم التالي، عرضت بيونغ يانغ التفكيك الدائم لجزء من منشآت إنتاج المواد النووية في منشأة يونغبيون للأبحاث النووية، مقابل “رفع جزئي” للعقوبات، وتحديدًا العقوبات التي فُرضت عامي 2016 و2017 على صناعات التصدير في الشمال، وحدّت أيضًا من واردات النفط. وكان من شأن إزالة هذه العقوبات أن تصل إلى توفير مليارات الدولارات، وهي عائدات يمكن إعادة توجيهها إلى البرامج المحظورة التي نحاول إيقافها. وبالنظر إلى تورم برنامج الأسلحة النووية لكوريا الشمالية، فإن المرافق السرية، ومجموعة القذائف الباليستية، التي تعرضها يونغبيون لإزالة هذه العقوبات الأكثر فاعلية، كما هو ظاهر، كانت تجارة غير متناسبة بشكل صارخ.

لكن الرئيس ترامب بدا مستعدًا لتقديم إعلان سلام، من شأنه أن يمثل على الأقل نهاية رمزية للصراع الكوري الذي امتد ما بين 1950 و1953، والذي انتهى بهدنة. وقال أيضًا لـ كيم إنه يعتقد بأن تبادل مكاتب الاتصال بين عاصمتهما، هو فكرة جيدة، حيث لا توجد علاقات دبلوماسية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة. في الآونة التي سبقت القمة، بعث الرئيس وكبار المسؤولين إشارات قوية بأن إعلان نهاية الحرب كان مطروحًا على الطاولة، لكي يُظهر أن الولايات المتحدة كانت على استعداد للوفاء بأول بندين أساسيين في إعلان سنغافورة، وإزالة أي تُهمة تقاومها واشنطن لتقديم “ضمانات أمنية” لبيونغ يانغ. وبشكل أكثر سخرية، ربما كان من المفترض أيضًا أن تسمح لترامب بإصدار إعلان دراماتيكي لنهاية حربٍ دامت قرابة سبعين عامًا، وأن تحصل على “نجاح” سريع في اجتماع هانوي، وربما تقوي أهليّة الرئيس للحصول على جائزة نوبل للسلام.

كان اقتراح إعلان السلام وفتح مكاتب الاتصال خطوةً ذكيةً، لأن مون جاي-إن رئيس كوريا الجنوبية كان يدعو من قبل إلى إعلان السلام منذ توليه منصبه في أيار/ مايو 2017. وقد أظهر الاقتراح أننا كنا مع حليفنا، ونأخذ رغبات ونصائح سول [عاصمة كوريا الجنوبية] على محمل الجد. كما كان من الممكن أن يكون جيدًا بالنسبة إلى العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، لأنه أظهر لبكين أن واشنطن جادة بشأن الاستقرار الإقليمي، وهو مصدر قلق الصين الرئيس.

لقد كشف هدوء كيم الواضح، تجاه إعلان السلام واقتراح مكاتب الاتصال، أنه غير جاد بشأن “السلام”، وأن إزالة العقوبات كانت أكثر أهمية من التحرك نحو علاقات طبيعية مع الولايات المتحدة. أخطأ كيم في تقييمه أنه يمكن أن يعطل المحادثات بشأن القضايا الأكثر حساسية لنزع السلاح النووي، والمقامرة بأن لديه شريكًا طيّعًا في الرئيس ترامب. إن إصرار الرئيس المزعوم على الحصول على المزيد من كيم حول القضية النووية، قبل أن يرفع العقوبات، يوضح بشكل مباشر لكيم أن ترامب وفريقه للأمن القومي كانوا متوافقين.

والآن ما هو السيئ؟

لا ينبغي أن يكون لدينا قمة ثانية على الإطلاق، بالنظر إلى الفجوة الكبيرة بين توقعات الولايات المتحدة وكوريا الشمالية. كلا الزعيمين مصابٌ بالعجرفة، وبالثقة الزائدة بأن قوة كاريزميتهما وحدها وصداقتهما الناشئة يمكن أن توصلهما إلى صفقة جيدة، على الرغم من أنه كان من شبه المؤكد أن مفاوضيهم قد أطلعوهما على المعايير المحدودة لما كان الطرف الآخر يسأل عنه وعلى استعداد لتقديمه.

سلط نجاح هانوي الضوء على ضعف النموذج المحكوم تنازليًا [من أعلى إلى أسفل] الذي كان يستحق المحاولة، لكنه تعثر مع تقويض العمليات، من خلال الحماس لقمة غرور وتفاهة. وبالنتيجة ضاعت فرصة استخدام القمة كوسيلة لتحفيز الحركة لنزع الأسلحة النووية لكوريا الشمالية.

ثانيًا، تسبّب عدد من العوامل في إثارة كثير من الذعر والإحراج، خاصة بالنسبة إلى الرئيس مون [كوريا الجنوبية] الذي كان ينتظر بشغف التقدم والضوء الأخضر لمواصلة سياسته الخاصة بالتعامل الاقتصادي مع كوريا الشمالية. على وجه الخصوص، تلك العوامل المتمثلة بالتسرع في الاستعدادات للقمة ونهايتها المفاجئة، والارتباك حول النتائج المرجوة، والمخاوف بشأن التنازلات التي قد يقدمها الرئيس والتي يمكن أن تقوض مصالح الولايات المتحدة وحلفائنا.

ومما زاد الطين بلة، أن الرئيس ترامب لم يستطع، في مؤتمره الصحفي بعد القمة، أن يقاوم القيام بنقد آخر للتدريبات العسكرية “المكلفة” مع كوريا الجنوبية والتحالفات بشكل عام. وقال الرئيس: “قلت [للجنرالات]: انظروا، تعلمون أن التدريبات ممتعة وجميلة، وهم يلعبون ألعاب الحرب … لكن هذا أمرٌ مكلف للغاية”، مضيفًا: “إننا ننفق مبالغ هائلة من المال في العديد من البلدان، ونحمي الدول الغنية جدًا التي يمكنها بالتأكيد أن تدفع لنا بعضًا مما ننفقه مقابل حمايتها”.

ثالثًا، دافع الرئيس عن ممارسة كوريا الشمالية الموثقة للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. عندما سُئل عن أوتو وورمبيير، الطالب الجامعي الذي اعتقلته وعذبته كوريا الشمالية، وعاد إلى الولايات المتحدة في عام 2017 وهو في حالة غيبوبة إلى أن توفي بعد ذلك بوقت قصير، قال ترامب: “أخبرني [كيم] أنه لا يعرف عن حالته، وسألاحقه على كلامه ووعده”، وإن كيم “شعر بالأسى بشأن ذلك”. كان من المؤكد تقريبًا أن ترامب كان يحاول الحفاظ على علاقته الإيجابية مع كيم وعلى زخم الدبلوماسية. لكن من المرجح أن ينظر كيم إلى مثل هذا الدفاع الكامل، على أنه نقطة أخرى تشير إلى أن الرئيس على استعداد للنظر في سلوك كيم السيئ بطريقة أخرى. في هذه الأثناء، تواصل كوريا الشمالية تحسين وتوسيع قواعدها الصاروخية وإنتاج المواد الانشطارية، للحصول على المزيد من الأسلحة النووية، ناهيك عن بيع الأسلحة إلى مناطق الصراعات في الشرق الأوسط وأفريقيا، والانخراط في الهجمات الإلكترونية للتهرب من العقوبات.

أخيرًا، ما هو بشع في القمة أن إخفاق القمة في الحصول على تنازلات بسيطة هو ميزة لـ كيم، لأنه يستطيع استغلال الوقت لتحسين قدراته في التسليح النووي، وإجراء المزيد من القمم مع القادة الإقليميين والدوليين، لمحاولة تقويض نظام العقوبات، وتعزيز وضعه المزعوم كقوة تملك أسلحة نووية مسؤولة.

من غير المرجح أن نغوص في نوبة أخرى من التوتر مثل عام 2017، حيث يبدو أن كيم يركز على الحفاظ على علاقته مع ترامب. ولكن يجب أن نكون قلقين بشأن كيفية تشجيعه على القيام إجراءات استفزازية لاختبار فرضية أنه لن يعاني من أي عواقب. حتى لو عاد ترامب إلى خيار الضربة العسكرية، فإننا نواجه خطر زيادة الحسابات الخاطئة التي تتسبب في حدوث تصادم غير مقصود، إذا أخطأ كيم بقراءة مواجهة محتملة مقبلة كنمر من ورق، وبدا أنه سيكون مثل “نار وغضب” عام 2017. علاوة على ذلك، فإن تصور كيم لضعف ترامب النسبي، في ضوء المشكلات الداخلية للرئيس، من المرجح أن يعزز ثقة كيم وقوته النسبية تجاه الرئيس المحاصر.

في الأيام والأسابيع المقبلة، ومع توقعنا لقمة أخرى بين كيم وترامب، من الضروري أن تحاول واشنطن استغلال ما هو الجيد، وتجنب السيئ، من خلال المواقف المبدئية وإدارة التحالف، وصياغة استراتيجية دبلوماسية وتخطيط منضبط لتغيير البشع.

اسم المقالة الأصلي The good, the bad, and the ugly at the US-North Korea summit in Hanoi
الكاتب يونغ باك،Jung Pak
مكان النشر وتاريخه بروكينغز،Brookings، 4/3
رابط المقالة https://www.brookings.edu/blog/order-from-chaos/2019/03/04/the-good-the-bad-and-the-ugly-at-the-us-north-korea-summit-in-hanoi/?utm_campaign=Brookings%20Brief&utm_source=hs_email&utm_medium=email&utm_content=70456818
عدد الكلمات 1131
ترجمة وحدة الترجمة/ أحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق