سلايدرقضايا المجتمع

بشار الأسد و”الفزاعة”

“الفزاعة” أو “خيال المآتة” هي دمية بحجم إنسان تقريبًا، مصنوعة من القش وبقايا المزروعات، تُغطى بثياب بالية، لتبدو من بعيد على هيئة شخص حقيقي. وتُستخدم الفزاعة عادةً لإخافة الطيور كي لا تأكل المزروعات، أو كأهداف للتدريب على الرمي أو ضربات السيف، وقد تكون على هيئة دمى للساسة، يحرقها المتظاهرون للفت الانتباه إلى قضية ما أو إلى أمور أخرى.

لم يكن مفهومًا لكثير من الناس هدف بشار الأسد، من نصب فزاعة في محافظة درعا على هيئة أبيه، لكن بعض الذين كانوا مقربين منه في حياته اليومية عزوا ذلك إلى أنه يُعاني اهتزازًا في الشخصية وعدم ثقة بالنفس، وهذا يُفسّر استمرار نشر صورته وسط صور أبيه وشقيقه باسل، في السنوات العشر الأولى من الحكم، حتى نصحه أحدهم بأنه آن الأوان ليتفرد بالصورة.

رسائل عديدة أراد بشار الأسد أن يقولها، من خلال نصب تلك الفزاعة، كأن يُعلن للناس أنه انتصر على المحافظة وأهلها، والفزاعة تكريس لهذا النصر الزائف، لأن بشار الأسد يعلم أنه لم يكن بإمكانه الإقدام على هذه الخطوة، لولا الاتفاق الذي أجرته روسيا مؤخرًا مع الفصائل المقاتلة، وهذا لا يعني أن الناس يُرحبون بعودة النظام إلى سابق عهده، فالاتفاق كان ينصّ على وقف القتال، بانتظار الحل السياسي، وليس بانتظار عودة سيطرة النظام، وإعادة نشر الفزاعات في المحافظة.

أراد بشار الأسد أن يستخدم الصنم الجديد كفزاعة فعلية، ولذلك اختار أن يكون الصنم لوالده، وليس له بصفته “الرئيس”، ذلك أن السوريين لهم ذكريات طويلة من الوجع والألم، إبّان حكم أبيه كمؤسس للحكم العسكري الأمني في سورية، وهو مؤسس كل الأجهزة الأمنية التي كانت تُمارس الإرهاب ضد المواطنين، على مدار عقود، فاختار بشار صنمًا على هيئة أبيه يتلطى خلفه، وعلى الرغم من أن إجرامه قد فاق إجرام أبيه؛ فإنه ما زال يُعاني عقدة النقص، لأن الناس كانوا يهابون أباه أكثر من مهابتهم إياه، وكلما أحس بالخطر؛ عاد ليختفي في ظلال أبيه وتحت جلبابه.

لم يكن حافظ الأسد يومًا (لي كوان يو) باني سنغافورة، ولا (مهاتير محمد) باني ماليزيا، ولا (هولمت كول) قاطرة الاتحاد الأوروبي، ولَم يُقدّم للشعب السوري طوال سنوات حكمه سوى القمع والإرهاب، ولَم ينج من شروره الأشقاءُ في لبنان ولا الفلسطينيون ولا الأردنيون، حتى الخليج العربي لم ينجُ، وعلى ذلك هو لا يستحق أن يكون له مجرد صورة في البلاد، فكيف بإنشاء فزاعة تُذكّر السوريين والعالم بسنوات حكمه الرهيبة؟

في الوقت الذي تمر فيه البلاد بأسوأ أزمة اقتصادية، منذ فجر الاستقلال، أزمة في الطعام والوقود والمياه والطاقة وفي السيولة المالية، تضع البلاد في مواجهة مجاعة حقيقية، وبدلًا من أن يخرج رئيس البلاد إلى الناس معلنًا خطة اقتصادية شاملة لمواجهة الأزمة للخروج منها بأقل الخسائر، قرر -بكل ما يملك من حماقة- أن يهرب إلى الأمام، محاولًا اللعب على عامل الوقت، كما كان يفعل في السنوات الماضية، وكأنه لا يعي أن وقت اللعب قد نفد أو أوشك على الانتهاء، وأنه آن أوان مواجهة مرحلة ما بعد الحرب، وأن لهذه المرحلة استحقاقات سياسية واجتماعية واقتصادية، وبدلًا من أن ينتهج نهجًا تصالحيًا وطنيًا، ويعيد ما يمكن إعادته من لُحمة اجتماعية ليتمكن من مواجهة الأزمة الاقتصادية، نراه يُقدّم خطابًا تافهًا يخلو من أي توجيه أو خطوة عملية، ويعيد نصب الفزاعات في شوارع سورية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ ربط مصير البلاد بمصير ملالي طهران التي تعاني بدورها أزمة تفوق أزمة سورية اقتصاديًا، حيث بدأت البلاد تُعاني الشلل بسبب توقف صرف رواتب كثير من القطاعات الحيوية مثل القطاع الصحي.

أخيرًا، يثبت بشار الأسد -من خلال طريقته في حل المشكلات ومواجهتها- أنه لم يكن يومًا جديرًا بحكم بلد مثل سورية، لدرجة أن يُغامر اليوم بما تبقى من الوطن، وفاءً لملالي طهران الذين قدّموا له العون في قتل شعبه وتشريده، وعليه أن يُدرك أن زمن الفزاعات قد ولّى إلى غير رجعة، وأن عليه الذهاب صاغرًا إلى طاولة الحل السياسي وتسليم السلطة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق