مقالات الرأي

“ولي عهد الجهاد” في سورية

من سيباشر مجددًا “لعبة الجهاد” في الشرق الأوسط؟ وضد من؟ وأين بالضبط؟ هذه الأسئلة تطرح نفسها بقوة، بعد الضجة التي أثارتها الولايات المتحدة الأميركية، بخصوص مكان نجل أسامة بن لادن، المُرشح للصعود بتنظيم والده إلى قمة هرم “لعبة الجهاد” في المنطقة، بعد أفول (داعش) المُرتقب.

تشير الترجيحات، بخصوص مكان وجود “حمزة”، إلى المناطق التي قد تشهد صعود تنظيم “القاعدة” مجددًا، وإلى الجهات التي قد تستخدمه. إحدى المناطق المرجحة لوجوده هي سورية، وإحدى الجهات الرئيسية المرشحة لاستثماره هي إيران.

ففي عام 2011، وجدت الولايات المتحدة وثائق في مقر إقامة أسامة بن لادن، بعد قتله في باكستان، تثبت أن “حمزة” قيد الإقامة الجبرية في إيران، وأن والده كان يُعدّ لخلافته. هذه الوثائق، التي سمحت وكالة الاستخبارات الأميركية (سي أي أي) بالكشف عنها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، تؤكد وجود علاقة تعاون وتنسيق بين قيادات في القاعدة، وإيران، التي استقبلتهم تباعًا مع عائلاتهم، في أثناء فرارهم من جراء الغزو الأميركي لأفغانستان، عام 2001.

وخلال أكثر من عام، نُشرت تقارير إعلامية عديدة تعالج ما تحتويه الوثائق المُشار إليها، أبرزها تقرير لـ (لوموند) الفرنسية نُشر في كانون الأول/ ديسمبر 2017، وتحدث بالتفصيل عن طبيعة علاقة التعاون المُعقّدة، التي تطورت بين قيادات القاعدة المقيمين في إيران، وبين القيادة الإيرانية. ويشير هذا التقرير إلى أن إيران ربما لم تجبر قيادات القاعدة بشكل مباشر على أجندات بعينها، لكنها في الوقت نفسه استغلتهم لتحقيق بعض أجنداتها، عبر مبدأ تلاقي المصالح، خاصة في سورية، التي يُعتقد أن إيران لعبت الدور الأبرز في تمرير قيادات القاعدة إليها، في المراحل الأولى من الثورة السورية عام 2011.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2017، تحدث مايك بومبيو، الذي كان حينذاك مديرًا لـ (سي آي أي)، عن وجود مواثيق “عدم اعتداء” بين “القاعدة” وإيران. فيما شبّه مسؤول أمني أميركي، في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، العلاقة بين “القاعدة” وإيران، بـ “زواج المتعة”، الذي ينقطع أحيانًا، وقت الشدة، حسب وصفه.

الوثائق التي كشف عنها الأميركيون تشير إلى أن قيادات “القاعدة” سبق أن رفضوا عروضًا من جانب إيران، بتزويدهم بكل ما يحتاجون إليه، من مال وأسلحة وتدريب، شريطة مهاجمة المصالح الأميركية في السعودية ودول الخليج. لكن هذا الرفض لا ينفي أن إيران تمكنت من الاستفادة من التنظيم لاحقًا، في أجندات وساحات أخرى.

أحد الأمثلة على ذلك، ما حدث بعد الغزو الأميركي للعراق، عام 2003، حينما عرضت طهران على واشنطن تسليم قيادات من القاعدة، منهم “سعد” الابن الأكبر لبن لادن، مقابل تسليم الأميركيين عناصر من مجاهدي (خلق). لكن الأميركيين رفضوا ذلك العرض حينها. وكان الرد الإيراني أن غضت طهران الطرف، سنوات عدة، عن مرور مقاتلي القاعدة عبر أراضيها، للانضمام إلى الحراك المسلح المناوئ للوجود الأميركي في العراق، بعد العام 2003.

ولاحقًا، ظهرت ملامح تلاقي المصالح بين “القاعدة” وإيران، في سورية. فطهران أطلقت سراح قائدين من التنظيم، هما “أبو خير المصري” والأردني “أبو القسام”، مقابل إطلاق سراح دبلوماسي إيراني، كان مختطفًا في اليمن، ليظهرا بعد ذلك في سورية.

واليوم، مع أفول تنظيم (داعش)، تتزايد التساؤلات عمن سيملأ الفراغ المُستجد في هرم قيادة “النشاط الجهادي” العابر للحدود؟ أحد الأجوبة يشير إلى بعث جديد للـ “القاعدة”، قد يكون على يدي “حمزة”، نجل أسامة بن لادن، الذي يتمتع -بحسب وصف المختصين- بكاريزما، إلى جانب اسم والده وتاريخه معه، تؤهله إلى أن يتولى قيادة التنظيم، في ظل الضعف الذي أظهره أيمن الظواهري، منذ توليه للقيادة.

وكما أشرنا آنفًا، فإن الترجيحات حول مكان وجود “حمزة” تتيح تصورًا حول المناطق التي قد تُستهدف بـ “لعبة الجهاد” مجددًا. فـ “ولي عهد الجهاد” -حسب ما تُسميه بعض الحسابات الجهادية الموالية له- قد يكون في المنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان، وقد يكون ما يزال في إيران أو في جنوب آسيا الوسطى. ومن بين الترجيحات بخصوص مكان وجوده، سورية.

وفي الأخيرة تحديدًا، تتوفر الحاجة الملحة لإيران، كي تستخدم “لعبة الجهاد” مجددًا. كما تتوفر المقومات لذلك. فهناك فلول تنظيم “داعش” الفارين من جراء هزيمته، والذين يعانون من فراغ في القيادة والتنظيم. وفي إدلب، هناك أذرع تتبع “القاعدة”، وتحاول قيادة “هيئة تحرير الشام”، استيعابها حينًا، ومكابدتها حينًا آخر، أبرزها تنظيم “حراس الدين” الذي يُعتقد أنه مسؤول عن الهجوم الأخير ضد ميليشيات النظام في حماة.

أما مبررات الحاجة الإيرانية إلى ممارسة هذه “اللعبة” مجددًا، فهي جليّة الآن. فهناك مخاوف إيرانية، بلا شك، من تصعيد روسي ضدها في سورية، خاصة بعد لقاء بوتين – نتنياهو الأخير، والحديث عن تشكيل مجموعة عمل دولية تبحث مسألة إخراج القوات الأجنبية من سورية. ليعقب ذلك جولة خليجية لوزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، شملت قطر والسعودية، ولا بد أن المسألة السورية كانت الأجندة السياسية الأبرز التي بُحثت خلالها، وقد تضمنت لقاءً بين لافروف وقيادة هيئة التفاوض السورية المعارضة بالرياض، حيث دعا لافروف المعارضة لزيارة موسكو.

اللقاءات الروسية – الإسرائيلية – الخليجية، الأخيرة، كانت في أعقاب الزيارة المثيرة للجدل، التي قام بها رأس النظام السوري بشار الأسد إلى طهران. الأمر الذي يؤشر إلى وجود حراك في المنطقة، للرد على تلك الزيارة. فموسكو -من دون شك- تعرضت لإحراج شديد من جراء هذه الزيارة، وتوقيتها، والطريقة التي تم إخراجها بها. الأمر الذي أظهرها بمظهر العجز أمام الغرب والدول الإقليمية الفاعلة، في قضية تحجيم النفوذ الإيراني بسورية.

إيران، التي تتعرض اليوم لضغوط اقتصادية كبيرة، من جراء العقوبات الأميركية، التي ستتصاعد في وقت قريب مع انتهاء فترات السماح المتاحة لاستيراد النفط الإيراني، والتي تتعرض في الوقت نفسه لضغوط عسكرية كبيرة في سورية من جانب “إسرائيل”، وبضوء أخضر روسي، تحتاج إلى خلط جديد للأوراق. وهنا تتلاقى مصالحها مع تنظيم “القاعدة” الذي يعاني هو الآخر الأفول، بعد أن خرج تنظيم (داعش) عن طاعته، ليستحوذ على قيادة “الجهاد العالمي” على حسابه، وبعد أن أخذت قيادات في “هيئة تحرير الشام” بسورية، مسارًا براغماتيًا باتجاه التخلص من “الصفة الجهادية” مقابل الحصول على دعم إقليمي تركي.

في هذه الأثناء، تُتيح الظروف فرصة سانحة لإيران و”القاعدة”، كي يستحوذا على “إرث داعش” من المقاتلين الفارين، وكي يعمقا أزمة إدلب، عبر التصعيد العسكري المتزايد على تخومها، بصورة تعزز دورَ العناصر المتشددة في “هيئة تحرير الشام”، والمتحالفين معها في “حراس الدين”، وتتيح ربما إمكانية كبيرة لخلط جديد في الأوراق، ركيزته تحالفٌ غير معلن بين “القاعدة” وإيران.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق