تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

هل فرضت أنقرة أمرًا واقعًا على موسكو في تسيير دورياتها في إدلب؟

تشهد المنطقة العازلة في محيط إدلب تطبيق مرحلة جديدة من اتفاق سوتشي المبرم بين أنقرة وموسكو، في 17 أيلول/ سبتمبر الماضي، حيث قامت أنقرة، الجمعة 8 مارس/ آذار الحالي، بتسيير دوريات في عمق المنطقة منزوعة السلاح، في النقطتين السابعة (قرب تل طوقان شرقي سراقب) والثامنة (قرب الصرمان شرقي معرة النعمان). وذكرت مصادر تركية أن الجانب التركي سيقوم بإنشاء خمسة مخافر في المنطقة الواقعة بين تل السلطان وسراقب، وأن نقاط المراقبة ستصل خلال 72 ساعة إلى خان شيخون ومورك بريف حماة. وأكد العقيد فاتح حسون، لإحدى وسائل الإعلام، أن الروس سيعملون على تسيير طائرات استطلاع، كمشاركة في مراقبة المنطقة العازلة، في إشارة إلى تماهي موسكو مع التوجهات التركية، في المرحلة الحالية.

وبموازاة الخطوة التركية، قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار: “إذا استمرت الهجمات في إدلب وبدأت الهجرة؛ فإن لجوء 3.5 مليون شخص لن يكون إلى تركيا وأوروبا وحسب، بل إلى الولايات المتحدة الأميركية”؛ ما يشي بنوع من التهديد المبطن، بوقوف أميركا إلى جانب تركيا في حماية اتفاق إدلب، واستمرار مواصلة الضغط على نظام الأسد وإيران لوقف الاستفزازات.

اللافت أن الخطوة التركية جاءت بعد وصول حلفاء أستانا إلى طريق مسدود، في تحقيق أي تقدم مشترك في الملفات الخلافية التي تصدرت واجهة الرأي العام، بعد قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من سورية، إذ شهدت محافظة إدلب عودة لهيب النار من جديد، على وقع فشل قمة سوتشي الأخيرة، بين الرئيسين رجب طيب أردوغان الروسي فلاديمير بوتين، في 23 كانون الثاني/ يناير الماضي، ذلك أن بوتين أراد نزع مكسب سياسي جديد من تركيا في ملف شرق الفرات، برغبته في بسط السيطرة على بعض المناطق، كخطوة استراتيجية روسية تُحرج الموقف الأميركي، وتجبره مستقبلًا على الخروج من سورية، بذريعة أن وجوده غير شرعي. بهذا المنطق أراد بوتين تحقيق مقايضة جديدة مع نظيره التركي، فرمى له بورقة المحافظة على إدلب، مقابل تفعيل “اتفاق أضنة” الأمني مع النظام السوري 1988 وإدخال ملحقات جديدة عليه، إلا أن رجب طيب أردوغان امتنع حينذاك عن إبداء أي موافقة، وترك الباب مفتوحًا للروس لإعادة التفكير، وفُهم ذلك على أنه رفض من تركيا على مقترح موسكو الذي يُعد غير مناسب لتلبية ما تطمح إليه في إنشاء منطقة آمنة، تنهي حلم قيام أي دولة كردية على حدودها الجنوبية، إضافة إلى تأمين ثلاثة مليون لاجئ سوري في منطقة آمنة، كانت تركيا أول من طالبت بها الأميركيين في 2013.

بعد الرفض التركي أمام موسكو، وإبقائها في موضع المُرواح في المكان؛ عادت واشنطن لتسخين درجة التوتر بين حلفاء أستانا، عبر ممارسة ضغوطات على إيران وموسكو وتركيا، بهدف توسيع دائرة الفجوة بينهم والعودة إلى نقطة الصفر، فأقدمت على إفشال خطط روسيا في إعادة النظام لحضن الجامعة العربية، وأوعزت لحلفائها في أوروبا بفرض عقوبات جديدة على النظام، وعسكريًا تراجعت عن موضوع الانسحاب من سورية، وأعلنت مؤخرًا -على لسان مسؤولين أميركيين- أن الانسحاب غير مرتبط بجدول زمني، وسيكون مرهونًا بالقضاء على تنظيم الدولة (داعش) إضافة إلى إبقاء 400 مقاتل موزعين بين شرق الفرات وقاعدة التنف، وأكد ذلك شكوك موسكو في عدم تنفيذ قرار ترامب، ومعنى ذلك عدم السماح لها بنيل استحقاقات جديدة في سورية توظفها في مسار التسوية الكلية، فزادت الضغط على حليفها التركي عبر ذراعها بشار الأسد، الذي ارتكب خلال شهر شباط/ فبراير العديد من المجازر في عمق المنطقة الممتدة على الطرق الدولية أم 4 وأم 5، لكن ذلك لم يجدِ نفعًا أمام إصرار تركيا على عدم تقديم تنازلات تمس سيادة أمنها القومي، وشهدت العلاقات لأول مرة أوج توترها بين حلفاء أستانا، على خلفية التوترات الأخيرة، أعاد فيها الجميع مراجعات لمحدداتهم البراغماتية، وبدا المشهد وكأنه إنذار أخير، قبل إطلاق الرصاصة الأخيرة على مسار أستانا، من جراء حالة الاستعصاء وعدم تنازل الجميع أمام الآخر، فصعدت موسكو عبر وزير خارجيتها سيرغي لافروف، الذي اتهم تركيا بأنها عاجزة عن إتمام اتفاق سوتشي وتقوم بمحاولة صفقات مع “هيئة تحرير الشام”، وزاد عليها ديميتري بيسكوف بالإفصاح عن نيّات روسيا بإنهاء كامل للإرهاب في إدلب، بعمليات عسكرية واسعة النطاق. وسياسيًا ظهرت عملية التفاف روسية على حساب شريكيها تركيا وإيران، من خلال إعلانها إنشاء آلية مشتركة دولية لعملية شاملة في سورية، بعد اللقاء الذي جمع بين نتنياهو وبوتين، مطلع الشهر الحالي، كذلك أبدت موسكو انزعاجها من زيارة الأسد لطهران، وهي الزيارة التي أعطت دلالات محاولة تفضيل الأسد بين الحليفين، ولا سيما أنهما أظهرا خلافاتهما إلى العلن، بعد التنافس الواضح في بسط السيطرة على مناطق النفوذ ومقدرات البلاد.

من جانب آخر، تطرقت الصحف الروسية وعلى رأسها (نيزافيسيمايا غازيتا) إلى موضوع انزعاج بوتين من حليفه الأسد، ووصفت زيارته لإيران بالضربة القوية للكرملين، ليأتي الاتفاق الروسي مع “إسرائيل” كنوع من التهديد على إخراج إيران، ولعل زيارة لافروف إلى الخليج جاءت في سياق حشد موقف عربي مناهض لإيران في سورية، كالمملكة العربية السعودية التي أعلنت عن اتفاق مشترك مع موسكو حول خطة شاملة للحل في سورية.

كما أن دعوة لافروف المعارضة السورية إلى إعادة تفعيل المسار السياسي، ودعم مسار المفاوضات والحل في سورية، وفق قرارات الأمم المتحدة، واجتماعه مع الأميركيين في فيينا، جميعها تدخل في رغبة موسكو في إنشاء مسار مواز مع أستانا للتخلي مستقبلًا عن الشركاء المحليين، في حال ارتفعت حدة التوترات وتناقضت مع ما ترمي إليه في تحقيق معادلة توزان كلية أمام الغرب في منطقة الشرق الأوسط.

على الطرف المقابل، لم تتوانَ تركيا عن إجراء مناورات منفردة بعيدة من شريكها الروسي، من خلال إعلانها إجراء عمليات مشتركة مع إيران، ضد حزب العمال الكردستاني في سورية، وإعادة خط التنسيق والمفاوضات مع حليفتها واشنطن بحلف الناتو، بما يتعلق بتنسيق ترتيبات عملية الانسحاب من سورية، والدفع بملف منبج نحو الأمام، فالمبعوث الأميركي جيمس جيفري كان قد أجرى محادثات مع نائب رئيس الخارجية التركي، الأسبوع الماضي، وأعلن الطرفان التوصل إلى نتائج إيجابية.

جملة المعطيات دفعت حلفاء أستانا إلى إجراء مناورات فردية، أوصلتهم جميعًا إلى تجاوز الخط المسموح به، ومنحوا أميركا مزيدًا من الوقت لإحداث مناورات انعكست عليهم سلبًا، فعلى سبيل المثال، لم يعد الحديث واردًا عن شن تركيا عمليات عسكرية في شرق الفرات، ولم يعد بمقدور موسكو اجتياح إدلب بشكل منفرد، وليس باستطاعة إيران والنظام التقدم في شرق الفرات، كل هذه المعطيات دفعت تركيا إلى اتخاذ موقف حازم في إدلب، من خلال فرض أمر واقع لوضع حد لتمادي النظام في إدلب، فأقدمت على تسيير دوريات في المناطق المستهدفة لوقف التهديد، ويبدو أن موسكو هي التي تنازلت لتركيا في هذا المقام، بعد فشلها في إقناع تركيا بتسيير دوريات مشتركة في شرق الفرات، لإنشاء المنطقة العازلة أو الأمنية، وفشلها في إعادة تدوير النظام وإعادته للمحور العربي، وعدم تأمين أموال إعادة الأعمار، وعلى الرغم من أنها لا ترى في اتفاق سوتشي إلا أنه مؤقت، ولم تكن راضية عنه منذ البداية، ووقعت عليه مكرهة، لكن يبدو أنها أجبرت على تطبيق اتفاق سوتشي، خشية من خسارات أخرى قد تفقدها السيطرة على ضبط التوازنات مع حلفائها.

لكن ذلك لا يعني أن موسكو ستقبل بالوضع القائم كما هو، صحيح أن الخطوة التركية ستحد من أعمال النظام الإجرامية وستجبر موسكو على الضغط عليه لاحترام الاتفاق، لكن ذلك لا يعني وقفًا نهائيًا لإطلاق النار؛ فما تزال إدلب رهن الاتفاقات المؤقتة والبديلة، وستبقى كذلك ريثما تنضج حالة توافقية كلية على تسويات كبرى تنهي بشكل كامل حالة الاستعصاء الحالي، لكن الثابت في انتقال أطراف الاتفاق لمرحلة جديدة من تطبيق بنود الاتفاق يعني خسارة النظام وإيران، ومنعهما من إعادة إدلب تحت كنف النظام، إضافة إلى توسيع حالة الشرخ بين موسكو وطهران، كما أن المسائل الخلافية في اتفاق سوتشي كملف المهاجرين، وتفكيك هيئة تحرير الشام ستبقى ماثلة ورهن التجاذبات التركية الروسية، وهو ما يشير إلى أن ليس هناك توافق دائم على إدلب، ولا خلاف شامل في الوقت نفسه.

إن نزول موسكو عند رغبات تركيا، في تسيير دوريات في المنطقة العازلة، يأتي بعد ضمانها إصرار أنقرة على إتمام صفقة (إس 400) وقد يبدو التفسير المنطقي الوحيد، بالنسبة إلى موسكو، هو القبول بتوجهات تركيا في إدلب، مقابل نزع انتصار عسكري بصفقات السلاح على حساب واشنطن التي تبدي استياءها من هذه الصفقة، وتهدد بتوقيف صفقات طائرات إف 35 مع تركيا، وهذه النقطة الأخطر في الموضوع، وهي تفسر مسايرة موسكو تركيا في إدلب حتى إنجاز الصفقة كليًا مع تركيا، ثم العودة بعد ذلك للتسخين من جديد في مناطق التأثير: إدلب وشرق الفرات، وهذا ليس غريبًا على موسكو التي لم تلتزم بكامل وعودها في سورية منذ تدخلها في 2015.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق