أدب وفنون

كالح وأسمر وحذاء

  • في ساعة الاكتظاظ الأولى -حوالي الساعة الثامنة إلا ربعًا بتوقيت العاصمة السورية دمشق- كانت الشمس قد أشرقت تمامًا، واكتظ “جسر فكتوريا” بالسيارات. لكن السيد كالح ما زال كما كان وسيبقى.. كالحًا.

ها هو ذا يُطِلُّ رويدًا رويدًا. لاحت صلعته بغرتها الرمادية الشعر أولًا، ومع صعوده جسر فكتوريا، بدأ يظهر وجهه الخالي تمامًا من الملامح، الأخدود الذي بين حاجبيه ليس عبسة… إنه مجرد أخدود حُفر بالتدريج، وعن غير قصد.

يصل إلى أعلى الجسر، أصبح مرئيًا بالكامل الآن: يرتدي بدلة رمادية كالحة، البدلة الرمادية التي أخذها بموجب قسيمة شراء حكومية، من مؤسسة الوسيم الحكومية للألبسة الحكومية في الثمانينيات.

حذاؤه الكالح الذي كان بنيًا على ما يبدو، يعتقد البعض أنه ينتعله منذ خمسة عشر عامًا، فيما يؤكد آخرون أنه حصل على الحذاء مع درع نقشت عليه صورة الرئيس، وديباجة فخر وثناء، كجائزة في إحدى مسابقات الإنتاج. وكان ذلك في الثمانينيات أيضًا، والله أعلم.

لا حاجة للدفع الآن، تتكفل الجاذبية بدفع الدراجة عبر نزلة الجسر.. حرّك السيد كالح إبهام قدمه اليسرى داخل الحذاء، ليريح كليهما، الإصبع والحذاء، دون أن يَركَب وجهه أيُّ ملمح، ودون أن يلتفت حتى، إلى السيارات الضجرة العالقة في الازدحام. السيد كالح لا يستطيع الالتفات أصلًا، ذلك الغضروف اللعين الذي اهترأ من جراء طبيعة عمله في مرآب وزارة النقل، تسبب في تيبس رقبته تمامًا، لذلك يقود الدراجة الصينية بين الرصيف والخط الأصفر للشارع، بحيث لا تزعجه السيارات…  تلك الوحوش المعدنية التي طالما رغب في ترويض إحداها.

  • لم يكن كالح يعرف أن حذاءً يراقبه، حذاءٌ يسترخي أسفل السور المنتصب بين بردى والجماهير الغفيرة عند نهاية جسر فكتوريا، من جهة التكية السليمانية… لحظة.. كي لا تُفهم كلمة “يراقبه” بمعناها السلبي، لنقل كان الحذاء “ينظر” إلى السيد كالح؛ مذ لمعت صلعته في أعلى الجسر، وتابعه بعينيه حتى وصل إلى سور الحديقة التي تلي جسر فكتوريا، عندها تكرمت على الحذاء إحدى الحمامات ببعض فضلاتها، فقطع متابعته لكالح، وانتفض جافلًا شاتمًا، وابتعد قاطعًا الطريق إلى تلك الحديقة. هناك لفت نظره رجل نائم على العشب، قرب سور الحديقة من الداخل، رجل أسمر ذو أسمال، جمع جسده إلى بعضه ونام، كم يشبه الجنين، أو إشارة الاستفهام.!

تشك تشك تشك تشك.. رشقات ماء درزت جسد أسمر من الكعب إلى الشعر، لكن أسمر لم يكترث، لحس شفتيه ثم زمهما ليس أكثر.

تشك تشك تشك تشك، عادت زخات الماء، تابعها الحذاء، كي يعرف مصدرها، حسنًا، إنه رشاش ماء وسط الجزء المعشب الذي ينام أسمر على أطرافه.

رشاش ماء يدور ليسقي نباتات الحديقة، يتابعه الحذاء وهو يدور، فيعود به رشاش الماء إلى المكان الذي كان أسمر غافيًا عليه.

لم يعد أسمر موجودًا، لقد ظهرت في مكانه أعشاب وزهور تغطي كومة من التراب، لها –أيضًا- شكل الجنين، أو إشارة الاستفهام.

  • لم يعد كالح مساءً إلى المنزل، قالوا لزوجته إنه مات حين أخبره رئيس قسم العظمية في مستشفى الأسد الجامعي، أن ملفه الطبي لم يصل بعد من وزارة النقل.

بعضهم قال إن رئيس القسم طرده طردًا من قسم العظمية يومها، فسكت قلبه من الحزن، بعد أن استلقى باكيًا في إحدى الحدائق العامة، آخرون شككوا، لأن كالح يحمل حذاءً ودرعًا عليه نقش لصورة الرئيس وديباجة فخر وثناء، نالها جميعًا سنة    1987، كأفضل عامل منتج في القطاع العام. لا يمكن لرئيس قسم العظمية أن يطرده، مصرًا على أن المواطن يمكن أن يموت في أي لحظة لأسباب طبيعية خالصة، فيما أكد آخرون أن تلك الجائزة هي ما قتل كالح، بعد أكثر من عشرين عامًا على حمله إياها، فأن تحمل كل ذلك الثقل وأنت مصاب في عمودك الفقري! سيقتلك ذلك بالتأكيد… والله أعلم.

* اللوحة لـ بيكاسو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق