هموم ثقافية

سنوات الجحيم

ما من عمل أدبي أو فني بإمكانه تناول الجحيم الذي اكتوى به الشعب السوري، على امتداد الأعوام الثمانية التي تنصرم الآن. ما من عمل يمكنه الإحاطة به، والتعبير عنه، على نحو إبداعي عالٍ، مهما بذل صاحبه وتفنَّن واجتهد.

لا يتعلّق الأمر -لا من قريب ولا من بعيد- بعلّة في إمكانات وقدرات المبدعين السوريين في مختلف الحقول. فالإبداع في سورية يُستَشهد به في غير ميدان وحقل ولون. الأمر، كلُّ الأمر، يعود إلى هول وفداحة وفظاعة وكارثيّة ما جرى وما زال يجري. والأمر، كلُّ الأمر، يتعلق بحدثٍ فاق ترويعُه خيال وتصوّر حتى أشدَّ القائلين -منذ ما قبل الثورة- بوحشيّة العصابة الحاكمة وعتوّها.

ثمَّة استحالة موضوعيّة في التعبير -أدبًا وفنًّا- عمَّا حصل ويحصل. ثمَّة ما لا يُطال في أكوام الكوارث والآلام واللوعة والخيبات والفقد والحرمان والتشرّد واليُتم والغربة والثُكْل والتجويع والحصار والترويع. ثمَّة ما هو عصيٌّ على الفهم والتصديق في المقتلة السوريّة، على النحو الذي جرت، وبحجم الغلّ والحقد والنزعة الوحشيَّة في تكوين مغتصبي سلطة البلد إزاء أبناء البلد.

ولعلَّ ما يُصعّب مَهمَّة الإبداع، على مختلف أجناسه وألوانه، ويجعلها غير ممكنة التحقّق، هو طبيعة ودور وتأثير ما قدَّمته القنوات والمحطّات الفضائيّة التلفزيونيّة والسوشيال ميديا، من بثّ حيّ ومباشر أو مُسجَّل، لكوارث الإبادة والتهجير الجماعيّ والتدمير الرهيب وأفانين تعذيب المعتقَلين حتى الموت، وما عرضته من بقايا أعضاء بشريّة مُقطَّعة وأشلاء أطفال تحت الردم، ومقابر جماعيّة، عبْر تقارير مصوَّرة من مُراسليها في مواقع الأحداث، وكذلك ما أجرته من مقابلات وتحقيقات مع المكتوين المكلومين المُدمَّرين التَّائهين في الجحيم السوري من ضحايا اجتياح وإبادة العصابة الحاكمة لهم ولمدنهم وقراهم ومناطقهم.

وفضلًا عن ذلك، ثمَّة مأزق أمام المُعبَّر عنه أدبًا وفنًّا. فإذا كان العديد من أبناء بلدان مجاورة لم يكفّوا -إلى اليوم- عن التساؤل: هل ما عُرض على الفضائيّات ووسائل التواصل صحيح أم لا؟ هل جرى على الأرض حقيقة وفعلًا أم لا؟ فكيف سـتكون حال أجيال ٍسوريّةٍ قادمةٍ لم تعش المحنة ولا عايشتها، بل سمعتها أو شاهدتها أو قرأت عنها عبْر الأعمال الفنيَّة والأدبيّة، مما كُتب أو رُسم أو أُنجز سينمائيًّا أو مسرحيًّا.. إلخ؟!

ألن تراود الظنونُ والشكوك نفوسَ تلك الأجيال بأن المُنجز الثقافي عن سنوات الجحيم، لا بدَّ أنه يتضمَّن قَدْرًا -يكبر أو يصغُر- من المغالاة أو الميل أو الهوى، بأكثر مما فيه من الحقيقة والواقع الفعليّ؟ أليس هذا المأزق هو ما دفع أحدَ المعتقَلين الناجين إلى التحفّظ والحذر -مع الآخرين- من سرد كلّ ما جرى معه وعانى أهواله، وحين سُئل كان جوابه “خوفًا من شكّهم بصحة ما أرويه؛ إذ في أهوال معاناة نزلاء سجون السلطة في سوريّة من اللامعقول ما يدفع سامعها -وهو مُحقٌ تمامًا- إلى الارتياب مما أقول وعدم تصديقه”؟

فما عسى يحمل أو يُعبّر عن واقع ما جرى غير نقل ما جرى بالصوت والصورة؟! وعلى الرغم من ذلك، فثمَّة مَنْ كَتَبَ ورسمَ ومَسْرَحَ ولَحَّنَ… مما يتعلَّق بمحنة الجحيم التي عشناها ونعيشها، وثمَّة مَنْ سيكتب ويرسم. غير أنني وددتُ أنْ أبدي ما أراه -وما قد يراه آخرون- بأن محنة الجحيم التي عشناها ونعيشها، كانت من الفظاعة والهول والكارثيّة، ما يجعلنا في حاجة إلى زمنٍ لنعي ونصدّق -من أعماقنا- ما حدث وجرى في بلدنا وحيوات ناسه، وما امتدت ظلاله الثقيلة وتفشَّت على مستقبلنا جميعًا، ومستقبل أبنائنا وأحفادنا؛ ومِنْ ثَمَّ نحاول أنْ نعبّر إبداعًا، إِنْ استطعنا إلى التعبير سبيلًا.

* اللوحة للفنان السوري عبد القادر عبدللي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق