مقالات الرأي

الحقوق التي التهمتها الحرب

قتل يتلوه قتل، شتات وتهجير، دمار وحصار وجوع، فوضى دول وكيانات وأسلحة، استشراء كاسح للفساد، تجاوزات وانتهاكات بحق الدولة والشعب.. هذه الصور التي عششت في أذهان السوريين، طاوية البداية كأنها لم تكن سوى حلم وأمنية؛ فالمرحلة التي عاشها السوريون ما بين عامي 2011 و2019 من أهوال، بعد أن أُدخلوا قسرًا في مرجل الحرب والاقتتال بين الفصائل المتنوّعة، ما عاد ممكنًا اختزالها وتصنيفها بتواريخ محدّدة. وكان عام 2012 بدايةً لتعثّر المسارات والتوجّه نحو العسكرة والأسلمة، شكّلت حتى يومنا هذا مرحلة متكاملة من الفشل والانحدار، بعضه انعكاس للماضي ومتابعة له، وبعضه أسّسته مرحلة الدمار والتدمير.

خلال المخاض العسير، سقط الإجماع على الحراك بوصفه حراكًا شعبيًا، وتشتتت القوى التي نادت بسلمية الثورة ورفضت الانتقال للتسلّح، ولم يعد الأمر متعلقًا بصميم ما سعى له طيف واسع من السوريين، ورفعوه كشعارات ذات طبيعة قيمية، مثل المطالبة بالحرّيات والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية وغيرها، بل تعلّق بتداعيات الأحداث وإدارتها. حيث إن التطييف الذي استخدمته السلطة للاحتفاظ بالهيمنة، استُكمل بمسارات العنف والفوضى التي اختلطت فيها القوات النظامية بالجماعات السياسية المسلّحة، ليصير للسلاح ثقله ووزنه في إدارة الحسابات، على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي. والميليشيات المذهبية التي تحوّلت إلى قوى إقليمية عابرة للحدود، استُكملت بميليشيات التطرّف والملل وتصفية الحسابات، وأُضيف إليها مشروع السلطة الإلهية و”نصرة الدين” الذي بزغ مع نجم الجهاديين، سواء تنظيم القاعدة أو ربيباته تنظيم “داعش وجبهة النصرة” وغيرهما، التي تهدف إلى تشكيل العالم عبر مزج المطلق بالنسبي، وربط السلطة الدنيوية بالدين، بطريقة لا يختلف فيها من يستند إلى الشريعة و”حاكمية الله” أو يجعل “الولي الفقيه” سمة الحاكم. بالحالتَين يتحول النسبي إلى مطلق، والحقيقة العابرة إلى حقيقة أبدية تقود فكرها، وتفتح نيران حربها ودمارها “المقدّس” لتُنجز تراجيديا متفجّرة متناثرة بنهايات مفتوحة.

حصاد السنوات الفائتة كان جحيميًا، فسورية بلدُ القتل تصدّرت نشرات الموت والعنف، أما القلق والأسف الدوليين فإنهما لم يقدّما سوى إسعافات أولية على شكل غارات تقتل الجميع من دون رحمة. فحماية المدنيين التي خُصّص لها 140 مادة في القانون الدولي الإنساني، لم تخرج يومًا من كونها حبرًا على ورق، فمجمل التقارير الدولية تذكر أن المدنيين كانوا الضحايا لكافة الحروب عبر التاريخ. والحرب السورية التي دخلت مجال انفعالات الدول في حربها على الإرهاب “الديني” ومعضلاته، غيّبت معطيات السلام وإمكاناته، وزادت من الرهانات الخاسرة على جنود وجيوش تحرق الأرض، وعلى أساطيل جوية وبحرية لدول تتصارع ثم تتصالح لتتقاسم المصالح، يجمعها على الأرض قتالُ السوريين، مع مبررات متغيّرة حسب الظرف والمعطيات، وفي بازارات التفاوض يجمعها هدف وقف القتال بين السوريين.

المتغيّرات التي شهدتها سورية كان أسوأ ما فيها إلقاء اللوم على الشعب، فهو المهدور دمه على قارعة المخاطر المختلفة، الأمنية والاقتصادية، وعلى عتبات الفشل بإيجاد حلولٍ، تصون الحياة وتعيد قيم الحرية والعدالة. الأمر الذي دفع الناس إلى تفضيل الاستقرار على الحرية والتغيير، بعد أن ابتلعهما العنف. لتستعيد فكرة الأمن والنظام حضورها وشرعيتها، في أذهان الخائفين من المدّ الجهادي وغيره من مشاريع التجزئة، التي أفرزت مزيدًا من التفاعلات السلبية أمنيًا وسياسيًا.

مع بداية السنة التاسعة؛ تعلو الأسئلة أكثر من الإجابات، فكلّ ما يُحاك لا يشكّل إجابة كافية ووافية لسؤال: ماذا بعد؟ ماذا بعد الاتفاق على إزالة آخر جزمة إيرانية؟ وماذا بعد (داعش) ونهايتها؟ وماذا عن مشاريع الدول الأخرى، كروسيا وتركيا وأميركا؟ والأهم من كل هذا: ماذا عن الحقوق المهدورة لشعب ضحّى كلّ هذه التضحيات؟ وكيف ستُعاد إليه حقوقه مع هذه الثياب الهشّة التي يحيكها المجتمع الدولي بماكينة التفاهمات الدولية والإقليمية.

خروج الجزمة الإيرانية الذي تحوّل إلى إجماع أميركي وروسي وعربي و”إسرائيلي”، على ضرورته، لا يلغي الفالق المذهبي والشرخ الذي أصاب البنية المجتمعية، وقد دُفعت أثمانه في سورية ولن ينتهي عندها. فالعنوان المذهبي سيبقى حاضرًا في المواجهات الجارية على مستوى المنطقة، والعدّة المذهبية، سواء في التعبئة أو في العناوين المقدّسة المعتمدة في هذه المواجهة، متوفرة لدى الطرفين، لتطرح مخاوف لا تقتصر على المجتمعات التي تتشظى بسبب الوجود الإيراني.

ونهاية (داعش) كحتمية لا جدل عليها، بعد أن فقدت عامل الجذب والاستقطاب، و”تبخّر” بعض فلول مقاتليها وبينهم زعيمها، وتحوّل بعضهم الآخر إلى بازار بين الإدارة الأميركية والبلدان الأوروبية، لن تلغي تبعات ما أسّسته من لحظة فارقة لدى شعوب المنطقة، فنهاية “دولة الخلافة” لن تنهي ما تمّ غرسه من فكر، لمن يصنّفون العالمَ ضمن ثنائية “المؤمن والكافر”. وستبقى مشاريع الدول هي المتحكّم في حروب قادمة أو في استنزاف مستقبل بلد وأجياله.

أما تلك الحقوق التي ابتلعتها الحرب ووحوشها، فقد علّقها المهتمون بأمر تحقيق السلم مؤخرًا، على حبر دستور قيد التفصيل. متجاهلين الخلل الحاصل الذي أَلّفه وسَوَّقه النظام، بتضييعه الفرق بين “الدولة والسلطة” الأولى، كناتج تاريخي للوعي الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، لشعب فوق أرض يحدده الإطار الدستوري، والثانية ككيان عابر، يستمدّ شرعيته من الكيان التاريخي “الدولة”. فمن عاش على أرض سورية يدرك معنى ضياع الدولة تحت جلباب السلطة، وكيف تتحوّل السلطة من سلطة دستور وقانون، إلى سلطة أفراد ومستبدّين وطغاة لتكون سلطة فوق الدولة.

ما حدث في سورية، قبل تسع سنوات، من محاولة للتغلّب على جملة من الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدّمتها إزاحة الاستبداد السياسي، والتأريخ لمرحلة جديدة، ابتلعته الحرب التي صنعت مشهدًا واحدًا للدمار بفصول متعددة وأياد مختلفة. وصار يحتاج إلى بحث آخر عن حلول لما تمّ تأسيسه من قيم الاستلاب والإلغاء والرعب، ومنهج آخر لاسترداد الحقوق من أمن وسلام، إلى حكم القانون والحقوق المدنية والسياسية والثقافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق