مقالات الرأي

القضية الكردية السورية في ضوء ذكرى انتفاضة 12 آذار 2004

القضية الكردية في سورية ليست قضية طارئة مختلقة، كما روّج، أو يروّج، بعضهم، بل هي حصيلة التفاعل بين نتائج التقسيم الاعتباطي المصلحي للمنطقة، وعجز الحكومات الوطنية السورية عن معالجتها معالجة وطنية ضمن الإطار السوري، على أساس احترام الخصوصية، والإقرار بالحقوق القومية التي باتت في عالم اليوم من البدهيات. ويُشار هنا بصورة خاصة إلى الحقوق الإدارية والثقافية والسياسية، والمشاركة في الحقوق والواجبات على المستوى الوطني.

ففي مرحلة الانتداب، كان الاهتمام الفرنسي متمحورًا حول موضوع المكونات الدينية، خارج نطاق المكون المسلم السنّي الذي كان، وما زال، يمثل الأغلبية في سورية. والجدير بالذكر هنا هو أن فرنسا كانت قد أوكلت إلى نفسها، منذ القرن الثامن عشر، مهمة حماية المكونات المسيحية، وذلك بناء على اتفاقات مع الدولة العثمانية. ومن ثم اهتمت في مرحلة الانتداب، إلى جانب اهتمامها بالمسيحيين، بالعلويين والدروز، وذلك بالتناغم مع القاعدة الاستعمارية التقليدية: “فرّق تسُد”. وكانت تسعى بشتى السبل إلى الحد من تنامي الشعور القومي لأسبابها الداخلية، وخشيتها من انتقال أصداء الأفكار والفعاليات القومية إلى مستعمراتها في شمالي أفريقيا، ولا سيما تونس والجزائر والمغرب. هذا بينما كان الإنكليز قد تبنوا، من خلال الشريف حسين وابنه الملك فيصل، الدعوة إلى القومية العربية، بقصد تعبئة العرب في مواجهة الدولة العثمانية التي كانت تمثل الخلافة الإسلامية. وكان الحرص البريطاني المستمر هو قطع الطريق أمام احتمالية صدور أي فتوى بالجهاد ضد الحلفاء إبان الحرب، من جانب المرجعية الدينية في الدولة العثمانية، الأمر الذي كان سيهدد المصالح البريطانية الاستعمارية في مصر ومنطقة الخليج والهند. ومن أجل ذلك، كان الإصرار على استخدام الشريف حسين واجهة لجهودهم التوسعية، لما كان يمثّله من رمزية دينية، فضلًا عن رمزيته القومية. ولعل هذا ما يفسّر تشجيعها للمطالبين بالدولة العربية، لكونها تتطلع نحو استقطاب مزيد من العرب إلى جانبها.

ولكن في نهاية المطاف، اقتضت التوافقات الدولية دخول فرنسا إلى سورية، وخروج الملك فيصل منها، التزامًا منه بإنذار غورو، وبناء على النصيحة البريطانية. ويستطيع كل باحث مهتم أن يعود إلى كتب التاريخ التي تتناول هذا الموضوع بمزيد من الإسهاب، وتفصّل في موضوع توجه فيصل إلى العراق، ليصبح ملكًا هناك تحت الرعاية البريطانية.

أما الدعوة إلى إنشاء الدولة العربية الواحدة، فقد ظلت مطلبًا من مطالب القوميين العرب، الذين وجدوا في ذلك المشروع الطريق المثلى لمواجهة الأطماع الاستعمارية في المنطقة.

وبناء على ما تقدم؛ نستطيع القول إن ظهور البعث في سورية لم يكن من الفراغ، وإنما كان حصيلة الجهود والمناقشات السابقة التي كانت. ولكن الذي حصل هو أن هذا الحزب اتخذ الشعارات القومية الكبرى ذريعة للانقضاض على الداخل الوطني، وذلك لإدراكه المسبق باستحالة إنجاز الوحدة العربية التي كانت يعدّها المهمة المركزية من بين المهام التي حددها لنفسه، وذلك لأسباب عدة، بعضها يخص أيديولوجية هذا الحزب، في حين يتصل بعضها الآخر بواقع وبنية الدول والمجتمعات العربية من جهة ثانية، أما البعض الثالث فقد جسدته المعادلات الدولية والإقليمية، وانعكاساتها على الواقع السوري والعراقي، باعتبار أن حزب البعث حكم في البلدين.

لكن الملاحظ هو أن سياسة حزب البعث، من الموضوع الكردي، لم تتغير على مدى عقود، بل وجدت الأجنحة المتصارعة ضمن الحزب المعني في هذه القضية ميدانًا تؤكد من خلاله التزامها بالخط القومي العربي المتشدد. فكانت سياسة الاضطهاد المزدوج هي السياسة التي التزمها حزب البعث، منذ سيطرته على الحكم في سورية من خلال انقلاب 8 آذار/ مارس 1963.

وقد كانت السياسة الرسمية السورية تمارس باستمرار صيغة من التعتيم على الموضوع الكردي، والحد من شأنه، ونشر المزاعم غير الواقعية حوله، من بينها أن الوجود الكردي في سورية جديد طارئ عابر.

وكان اللافت في الأمر هو أن الأحزاب التي تمكّن حافظ الأسد من ترويضها، ضمن إطار “الجبهة الوطنية التقدمية”، كانت هي الأخرى تساهم، بصمتها وسلبيتها إزاء الاضطهاد الذي كان يتعرض له الكرد، في تكريس سياسات النظام ومزاعمه. هذا في حين أن الأحزاب المعارضة الأخرى من خارج الجبهة، كانت منشغلة بقضاياها الخاصة، إلى جانب تأثرها بالتوجهات القوموية العربية، الأمر الذي كان يحول بينها وبين محاولة فهم الواقع الحقيقي للقضية الكردية في سورية.

واستمرت الأمور هكذا إلى حين انطلاقة الانتفاضة الكردية، في الثاني عشر من آذار/ مارس عام 2004، وهي التي عرفت بـ “انتفاضة قامشلو” التي سرعان ما اتسع نطاقها لتشمل سائر المناطق الكردية في سورية، بل امتدت أمواجها، وترددت أصداؤها في بلدان اللجوء الكردي حول العالم.

وشهد السوريون مرحلة جديدة من النضال السلمي في مواجهة سلطة الاستبداد؛ إذ تظاهر عشرات الألوف من الكرد السوريين لأول مرة في قامشلي ودمشق وحلب وغيرها من المدن والبلدات السورية. كما كانت هناك تظاهرات واعتصامات أمام السفارت السورية في العديد من العواصم الأوروبية، احتجاجًا على ما يتعرض له الأكراد من اضطهاد.

ونحن هنا لسنا بصدد تناول الروايات المختلفة التي تحدثت عن الأسباب المباشرة، أو الشرارة الأولى، إذا صح التعبير، التي أدت إلى اندلاع الانتفاضة. وإنما الذي نريد تأكيده هو أن هذه الانتفاضة كانت نتيجة عقود من سياسات القمع والاضطهاد والإجراءات والمشاريع الاستثنائية التي اعتمدتها سلطات البعث على وجه التحديد في مواجهة الكرد.

ما يضفي أهمية غير عادية على “انتفاضة قامشلو” أنها بيّنت للرأي العام الوطني السوري والإقليمي والدولي خلفية وأبعاد القضية الكردية السورية، التي لا بد أن تعالج معالجة وطنية ديمقراطية، على أساس الاعتراف بالخصوصية والإقرار بالحقوق. وهي قضية لا تنفصل عن القضايا السورية الأخرى التي تنتظر الحل.

وبهذه المناسبة، لا بد أن نقرّ بتقصير المعارضة على صعيد فهم هذه القضية، واتخاذ الموقف الصحيح منها، والعمل على إيجاد الحل العادل لها، ضمن إطار مشروع وطني سوري يكون بالجميع وللجميع.

هذا في حين أن النظام كان متنبّهًا إلى حجم ووزن هذه القضية منذ البداية، ولذلك كان حريصًا على إبعاد المناطق الكردية عن الثورة، وعقَد لهذه الغاية اتفاقًا مع حزب الاتحاد الديمقراطي (الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني) قام بموجبه بتسليم المناطق المعنية إلى هذا الحزب، مقابل صلاحيات وإمدادات وإتاوات متفق عليها، شرط أن يلتزم الحزب المعني بمهمته الأساسية المتثملة بالحد من التفاعل الكردي مع الثورة السورية، ومنع ذاك التفاعل بصورة مطلقة، إن أمكن.

وقد استفاد الحزب المذكور من ثغرات المعارضة وأخطائها، على صعيد التعامل مع الملف الكردي والملفات الأخرى، كما استفاد من ضعف مواقف الأحزاب الكردية التي شكلت لاحقًا المجلس الوطني الكردي، وتمكن بفعل ما تقدم من السيطرة على الأوضاع بصورة شبه كاملة. وقد استغل هذا الحزب ظروف الثورة السورية ومتغيراتها، وتمكن من عقد صفقة مع الجانب الأميركي الذي كلفه بمهمة محاربة (داعش) على الأرض، ضمن إطار الحملة الدولية على التنظيم الإرهابي.

ولكننا على الرغم من كل التداخل الذي نواجهه اليوم، وحالة التعقيد التي يتصف بها المشهد السوري عمومًا والوضع في الجزيرة السورية على وجه التخصيص؛ نرى ضرورة العمل من أجل الوصول إلى تفاهمات بين جميع المكونات السورية، حول القواسم المشتركة التي تكوّن الأرضية الصلبة لتعايش مشترك بين الجميع، مع احترام كل الخصوصيات، ضمن إطار وحدة الوطن والشعب. وأمرٌ مثل هذا يستوجب حوارًا وطنيًا عامًا حقيقيًا، يستهدف تجاوز الآثار الكارثية التي نجمت عن الحرب المفتوحة التي أعلنها النظام على السوريين، واستعان فيها بالنظام الإيراني والميليشيات التابعة له، إلى جانب الروس، وأدت إلى دخول مختلف المنظمات الإرهابية إلى البلاد. وكل ذلك لن يتحقق من دون انتقال سياسي فعلي، يقطع مع نظام الفساد والاستبداد، ويجفّف مصادر الإرهاب، ويطمئن السوريين جميعًا من دون أي استثناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق