هموم ثقافية

“مسالك ضي”

… وعلى حد السكين، كما يجب أن يكون عليه الأمر تمامًا، نجتهد في بناء خيامنا على نحو مذهل، أي على أكمل وجه للقهر.

أثناء سَوقنا إلى أوسلو البهية، بتنا نملك كرتًا أبيض الآن، وأكياسًا بيضاء فيها طحين أسمر منتهي الصلاحية، طرزت عليها شعارات المنظمات الإنسانية، وأرديةً ملت عرق مُرتديها، وملّتها أجساد أصحابها، ومُنحنا أغطية خشنة كتلك المخصصة للجُند في المعسكرات، رمادية غبراء كألوان جلود الحمير، لا تقي شديد البرد، إنما لا بأس، يكفي أنها تحجب ارتجاف أجسادنا، وهلع وجوهنا ومائها، بعيدًا من أعين المتعاطفين بمكر.. فشكرًا.

وجب علينا تجاوز هذه التفاصيل السخيفة بالمقابل، مُنحنا أربعة مبعوثين دوليين خاصين -حتى الآن- وعديد جلسات أممية عاجلة، عشرات المؤتمرات، والمنصات، ومشاريع محميات عازلة معزولة، وأرقام قرارات دولية من أربعة مراتب، تخصنا نحن السوريين فحسب، ومسوّدة دستور مرنة مصنوعة من السيلكون، وأرقامًا لجثامين أعزائنا، وشهادات وفاة.. فشكرًا.

والآن في طريقنا إلى أوسلو، أصبحت كل أمهاتنا “أم سعد”، هلا طمأنت العالم، يا مصطفى تاج الدين الموسى، وأخبرتهم -على مهل- كيف نُبلي في إنجاز غساننا الكنفاني، بكل عناية وأناقة، أكدْ لهم جميعًا، للأصدقاء قبل الأعداء، أننا سنحميه من الاغتيال هذه المرة، انتبه كن دقيقًا، كعادتك، من الاغتيال وحسب، وليس من الانتحار.

في معراجنا إلى أوسلو، سقطت كل الوعود التي قطعتها لنا العاصفة، فـ أحرقنا مراكبنا على شواطئ اليونان، وعلقنا كواكبنا على أشجار غابات مقدونيا، وعندما أشرقت الشمس، بعيدًا شرقي المتوسط، بعيدًا غربه، تمطت ظلال هاماتنا كأشباح تائهة دُقت بالمسامير على جزء صامد من جدار برلين، ما زال ينتصب هناك بتوقد ذاكرة المغدورين، أو كحارس لثغر بعيد لم يأته خبر انتهاء الحرب، وإذ بنا نكتشف أنا، لمّا نزل “واقفين على خطوط النار، ونعلن ما يلي”:

نحن -السوريين- نصنع درويشنا الآخر الجديد الآن، نعم، هكذا بكل اقتدار وجدارة، و.. نَهم، اسألوا فرج بيرقدار إن شئتم، سيخبركم، لا سيقنعكم ربما! أو انتظروا ناصر بندق حتى يرجع من براريه كعصفور الدوري، أو كأنكيدو.. لينضم إلينا، فننظم كلنا معًا، مديح ظلنا العالي مرة أخرى، ونغني بكبرياء المقهورين…”بيروت خيمتنا”، برلين نجمتنا، باريس تحفتنا، مونتيريال بهجتنا، ستوكهولم غايتنا… تنا، تنا، تنا…

فقط لو أن إياد شاهين بقي حيًا، لحُسم هذا الأمر فورًا.

والآن في المسير المصير، إلى أوسلو العظيمة، كأجراس الكنائس المهجورة في بلغراد القديمة، تنوسُ مفاتيح الأبواب المخلوعة، تقبّلُ الخصور الضامرة، تتأرجح في فضائها النحيل، معلقةً بضفائر رفيعة هشة، أنُس سوادها المشيب، تعاويذ وتمائم ورقى مختلفة الأشكال والألوان والأحجام… والأديان، عُلقت على جدران معابد هندوسية موحشة، مترنحة بتوافق مع اللهاث، ورضا مع الخطو الحثيث الثقيل، تلثم أثداءً متعرقة ضائعة في ثيابٍ سكنتها أجساد نسيت كيف تلتفت إلى الخلف، كلما لفحتها الريح، أطلقت تمتمات تناثرت، ثم اجتمعت وتكاملت في تناسق وتجانس فريد، لا تلبث أن تبدأ طبقات أصواتها بالتوالد من بعضها البعض، تلتحم معًا في إيقاع واحد مدهش، فتخرج مكتملة المنطوق واللحن.. الله أكبر. ثم تعود فتذروها الرياح من جديد. وتتابع الأجساد الخب.

ولأننا نبحث عن أي بصيص في عتمة ليل هذه الطريق الجلجلة، صرنا نُتقن تقديم طلبات مشاريعنا للجهات المانحة باللغة الإنكليزية، أتقنا كيفية طرق جوهر قضايانا، بشكل مباشر واضح، تعلمنا كيف نحدد أهدفنا العامة، والخاصة بدقة، كيف نبني الاستراتيجيات، وكيف ننسج خططًا تنفيذية ناجحة، صرنا نعلم كيفية اكتشاف الأثر وقياسه، ثم قراءة نتائجنا بموضوعية، والأهمّ تعلمنا تقنية قلب مَواطن الضعف المحتملة وتحويلها إلى نقاط قوة وكسب، رائع فعلًا…

لكن هذا كله -حتى الآن على الأقل- لم “يفتح لنا مسالك الضي”، يا سميح شقير، ولم يحرر لنا جناح. ماذا عن تقنية الأمل، أين نبحث عنها، كيف نتعلمها يا صديقنا؟!

ما، أو من، يمنحنا هذه الحتمية ونحن نتسول الحلم ونمضي إلى نهاية التاريخ، يا سعد الله ونوس!

المشكلة عندي الآن ليست في “nice to meet you” أيها العالم العرصا، أو في “”Bad to meet you أيها القائد العرصا، أو في “fuck at” كل دول الاحتلال.

المشكلة، في ما أظن، في مكان نُطقِ هذه الجمل وزمانها وسياقها، في تلحينها ونحن مبتسمون صاغرون، نزحف على بطوننا الخاوية الرخوة في طريقنا نحو أوسلو جديد.

اللافتة التي كتب عليها يا “welcome” بكم، تعني يا ويلكم، في هذا السياق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق