سلايدرقضايا المجتمع

“جرائم الشرف” في الخطاب الإعلامي.. هل أدى الإعلام واجبه؟

على مدى أكثر من أربعة عقود، ظل الإعلام السوري بأشكاله كافة (المرئية والمسموعة والمقروءة) يمرّ بقضايا المجتمع السوري، من دون أن يسلط الضوء على أسباب المشكلات الاجتماعية الكبرى، ومن دون أن يتطرق إلى عرض الحلول المناسبة، وتبيين المواقف التي ينبغي أن تُتخذ إزاء مشكلات تترسخ وتتمدد وتنعكس آثارها السلبية على الجميع. وبدا أن الإعلام انتهج سياسة الخضوع لسلطة المجتمع وقوانينه وموروثاته الشعبية، ولم يتمكن من بلورة نهج إعلامي مدروس يواجه المشكلات الاجتماعية الخطيرة، وبخاصة الجرائم التي ترتكب بدعاوى الحفاظ على “الشرف” و”غسل العار”، مكتفيًا بأخذ دور “الناقل السلبي” للحوادث، والمتستر على العنف ضد المرأة، كما أنه لم يقم بدوره في محاربة انتشار هذه الجرائم بحق النساء السوريات.

غالبًا ما كان يتم التعاطي مع الجرائم التي تُرتكب بدعوى “الشرف”، في معظم وسائل الإعلام السورية، كأخبار سريعة تحمل طابع الإثارة فحسب، من دون أن يكون هناك تغطية مدروسة وواعية قادرة على وضع الحقيقة أمام المتلقي، وتحديد مكامن الخطر الذي تنطوي عليه تلك الموروثات الشعبية التي تُبارك هذه الجرائم، حتى إنه اكتفى -في أحيان كثيرة- بتناول هذه القضية بالشكل الذي يرغب المتلقون في رؤيته، وهو تصوير المرأة على أنها “الجاني” الذي يستحق العقاب، فيما يكون حضور الرجل في القصة كـ “البطل” الذي قام بفعل عظيم يستحق الثناء عليه!

وإذا استعرضنا ما قدمته وسائل إعلام النظام، من أخبار وتقارير صحفية تناولت حوادث تتعلق بهذا النوع من الجرائم منذ عام 2011 حتى الآن؛ وجدنا أن جميعها متشابه، ويتبع نموذجًا واحدًا في الأسلوب والصياغة، وفي طريقة طرح الجريمة. فهناك دائمًا الأنثى الضحية، التي تعرّضت للقتل على يد أخيها أو زوجها أو أبيها، والمجرم الذي ارتكب الجريمة بدافع “غسل العار” النابع غالبًا من الشك في ارتكابها عملًا فاحشًا، من دون أن يكون هناك أدلة واضحة على الفعل المتهمة بارتكابه.

في 18 أيلول/ سبتمبر 2018، تناقلت العديد من المواقع الإلكترونية التابعة للنظام، خبر مقتل المراهقة ديانا أبو حسون، من مدينة السويداء جنوب سورية، بطلق ناري في رأسها من بندقية والدها، في ظروف وصفتها معظم تلك المواقع بـ “الغامضة”، من دون توجيه الاتهام بشكل مباشر إلى الوالد القاتل. وذكر موقع (سيريا 24) حينذاك، أن والد الفتاة الضحية تلقى مكالمة من إدارة مدرسة ابنته تفيد بتغيبها عن المدرسة. ثم عُثر على جثة الفتاة مقتولة على طريق المطار قرب بلدة المزرعة، وذكرت بعض المواقع الإلكترونية أن والدها أطلق النار عليها عن طريق الخطأ، في أثناء تنظيف بندقيته.

الشابة المقتولة ديانا أبو حسون

على صعيد آخر، حدثت جريمة أخرى في محافظة طرطوس في 20 آب/ أغسطس 2015، حيث قام زوج بقتل زوجته، بعد ثمانية عشر يومًا من زواجهما، لأنها تأخرت ساعتين عن موعد عودتها إلى المنزل، ما دفعه إلى الشك في سلوكها، ثم قتلها بعد أن قام بتعذيبها جسديًا، لينتزع منها اعترافًا بالفاحشة التي يتهمها بارتكابها. وهنا نجد أنفسنا أمام تساؤل: هل كل الجرائم التي ارتكبت بحق النساء، تم ارتكابها على خلفية ما يسمى بـ “الشرف”؟ أم على خلفية “الشك”!!

ترى الصحافية السورية هند بوظو أن تناول إعلام النظام الرسمي لموضوع “جرائم ضد الشرف” يأتي ضمن الملفات التي تتحدث عن العنف ضد المرأة السورية بشكل عام، إضافة إلى بعض المواقع الإخبارية الإلكترونية التي تسلط الضوء عليها، كخبر للإثارة أكثر منه خبرًا يعطي دلالات على ضرورة توعية المجتمع.

وقالت بوظو في حديث إلى (جيرون): “لم تكن صحف النظام الرسمية (البعث، تشرين، الثورة) تحديدًا، تورد الخبر ضمن سياق الأخبار التي تحمل طابع إثارة، بل كانت تورد الخبر ضمن سياق أوضاع المرأة السورية في المجتمع ككل، وطبعًا كان هناك دائمًا تركيز على هذا الوضع، لكنه بهدف ذر الرماد في العيون، ولم يكن بهدف معالجة هذه القضية ومتابعتها لتصل إلى القضاء، ومن ثم إلى تعديل القانون الأحوال الشخصية الذي لم يُعدّل منذ سنوات طويلة. وسمعنا منذ مدة قريبة عن تعديل بعض الفقرات، لكنها لا ترقى إلى مستوى أن تكون منصفة للمرأة السورية”.

أحد أهم النقاط التي أغفلت تغطيتها وسائل الإعلام -بحسب بوظو- موضوع العقوبات على هذا النوع من الجرائم. وتابعت موضحة: “الصحافة السورية كانت ممنوعة من الحديث عن القضاء منعًا باتًا، وكنا نتعرض لمضايقات قد تصل أحيانًا إلى درجة التوقيف، ويُمنع علينا التحدث مع القضاة إلا بعد موافقة رسمية من وزارة العدل. لذلك عدم الحديث عن عقوبة هذه الجريمة وضرورة تعديل القوانين المتعلقة بهذه الجرائم، فتحَ المجال أمام ضعاف النفوس لاستغلال ثغرات القوانين وارتكاب جرائم بحق النساء. ومن الممكن أن يرتكب أحد الأقارب جريمة قتل بحق أخته أو زوجته أو ابنته، من دون أن تكون هذه الجريمة بدافع الشرف، إنما بدافع الإرث أو الانتقام أو الغضب الشديد نتيجة خلافٍ ما، ثم يدّعي القاتل أنه قتل الضحية بهدف الدفاع عن شرف العائلة”.

في إحدى حلقات تلك الجرائم، شهدت مدينة عفرين في الشمال السوري، منذ أيام قليلة، جريمة قتل رجل لزوجته السابقة، بإطلاق النار عليها في الحديقة العامة، وتداول ناشطون تسجيلًا مصوّرًا يُظهر لحظة وقوع الحادثة. وينحدر القاتل من مدينة سراقب ريف إدلب، ووقعت الحادثة على إثر مشادة كلاميّة بينهما، في أثناء محاولة القاتل إجبار زوجته السابقة على الذهاب معه، ليتطور الشجار ويقوم بقتلها أمام أطفالها، مدعيًا بعد ذلك أنه ارتكب الجريمة بداعي “الشرف”.

وقام لواء “السلطان سليمان شاه” الذي ينتمي إليه القاتل، بنشر بيان أكد فيه وقوع الجريمة، لكنه بررها بأنها ارتكبت حفاظًا على “الشرف”، متهمًا المرأة المقتولة بأنها تزوجت وهي ما زالت على ذمة زوجها، وأخفت الأطفال عنه. وأثار البيان ردات فعل غاضبة في أوساط الناشطين، حيث اعتبر البعض أن اللواء يحاول تبرير جريمة “القتل العمد”، تحت ما يعرف بـ “جريمة ضد الشرف”، مطالبين السلطات القضائية بمحاكمة الفاعل بشكل قانوني بجريمة “القتل العمد”.

في الجانب الآخر، لم تكن وسائل إعلام المعارضة السورية أو (الإعلام البديل)، في حال أفضل من نظيرتها إعلام النظام الرسمي. فهناك غياب واضح في طرح قضية “الجرائم الماسة بالشرف” على نحو منهجي وتوعوي مدروس، إلى جانب عدم التفات المنظمات والمؤسسات التي تُعنى بتوثيق الانتهاكات، إلى متابعة هذه الجرائم وتوثيقها في مناطق سيطرة المعارضة. الأمر الذي لم يمكنها من أخذ الحيز الذي تستحقه إعلاميًا.

تصف الكاتبة والصحافية السورية سهير أومري تغطية الإعلام البديل لهذا النوع من الجرائم، بأنها تأتي على استحياء وخجل، حيث إنه لم يسلط الضوء عليها كما يجب. وقالت لـ (جيرون): “يتناول الإعلام البديل هذا الموضوع بطريقة (النقض) أو الرفض التام لهذا الأمر، خوفًا من أن يتهم المجتمع وسائلَ الإعلام، بالتسويغ والترويج لهذا الأمر. وهناك خلط بين المفهومين، فعندما يتم نشر الوعي بعدم قتل الفتاة تحت مسمى (غسل العار)، فهذا الشيء لا يعني أن الإعلام يشجع على الزنا! لذلك لدى معظم الناس خلط اجتماعي بخصوص هذه الفكرة، فإذا ما تم نقد أي قضية، فُهم الأمر على أنه ترويج للفعل أو تبرير له. لذلك يجب على الإعلام أن يمسك العصا من المنتصف، وأن يكون لديه القدرة على نشر الوعي حول عدم جواز قتل الفتاة، دون أن يروّج أو يبرر لأي تصرفات قد تكون منافية للأخلاق، وفق الأعراف المجتمعية”.

هناك حالات تم فيها تسليط الضوء على تلك الجرائم، بطريقة تبرر للقاتل فعلته، وتتعاطف بشكل مبطن أو صريح مع القاتل، وتبرر له ارتكاب جريمته. ومنها ما حصل في الثاني والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر 2018، إذ انتشر مقطع مصور لفتاة تدعى “رشا بسيس” وهي تُقتل على يد أخيها رميًا بالرصاص من بندقية آلية، بدافع الحفاظ على “شرف العائلة”، وسط تشجيع من شخص كان يقف بجانبه أثناء تصوير عملية القتل، التي قيل إنها حدثت في مدينة جرابلس السورية على الحدود التركية، وتقع تحت سيطرة فصائل المعارضة السورية. ونشر آنذاك موقع إلكتروني يدعى (الدرر الشامية) خبرًا عن الجريمة تحت عنوان: “مارست الدعارة بتوجيه من زوجها في جرابلس.. وهكذا انتقم أخوها”، مقدّمًا تبريرًا واضحًا وصريحًا للأخ القاتل على ارتكابه هذه الجريمة بحق شقيقته، إضافة إلى اتهام الضحية بممارسة الدعارة من دون وجود أي دليل مادي ملموس على ذلك، وقبل إجراء أي تحقيق في الجريمة لكشف ملابساتها.

وهنا لا بد من أن يكون لدى الإعلام، وفق ما ذكرت أومري، “خطط مدروسة”، حيث تتم معالجة هذه الجرائم إعلاميًا، بطريقة واعية لا تعطي مبررًا للقاتل، من دون يكون هناك نوع من التحامل والتمادي على الفتاة، من قبل الوسيلة الإعلامية والجمهور المتلقي، بأي طريقة كانت.

وبصرف النظر عن الطريقة التي تتعاطى بها وسائل الإعلام مع “جرائم ضد الشرف”؛ فإنها جميعها -من دون استثناء- تتبع نهج (إعلام ردة الفعل). وأوضحت أومري ذلك بالقول: “هناك إعلام الفعل وإعلام ردة الفعل، تكون ردة الفعل عندما تحدث قصة أو حادثة ما، فيقوم الإعلام بالحديث عنها، كمثال حادثة قتل الفتاة رشا بسيس . لكن إعلامنا -مع الأسف- يفتقر إلى التأسيس المسبق للوعي الجمعي، لأن الإعلام يجب أن يقوم بدوره في التأسيس لفكر وثقافة أفراد المجتمع، خاصة في الوقت الحالي، مع قلة الإقبال على الكتب والقراءة، لذلك يجب على الإعلام المرئي بالدرجة الأولى بأشكاله كافة أن يضطلع بهذا الدور، ويجب أن يكون لديه مخططات لبث الوعي، وتوعية الرجل بمفهوم الشرف، وضرورة أن يتحمل كل فرد مسؤوليته عن قراراته وحياته”.

تُعد هذه الجرائم مخالفة واضحة لحق الإنسان في الحياة، حيث يخالف بشكل أساسي المادة الثالثة من (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) التي تنص على أن “لكلِّ فرد الحق في الحياة والحرِّية وفي الأمان على شخصه”. وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات دقيقة عن عدد ضحايا هذه الجرائم قبل الثورة وبعدها، بسبب غياب دور مراكز توثيق الانتهاكات، فإن على وسائل الإعلام، بأنواعها المسموعة والمرئية والمكتوبة، أن تقوم بدورها في دعم قضايا المرأة على وجه العموم، والتركيز على (الجرائم الماسة الشرف) بشكل خاص، وانتهاج السلوك العلاجي والتوعوي عند تسليط الضوء عليها، وهذا يوجب العمل على التأسيس للفعل وليس لردة الفعل، وأن يكون الإعلام وسيلة تُحدث فرقًا في المجتمع وتطوره للأفضل.

  • تم إنتاج هذه القصة الحقوقية بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR وصندوق الأمم المتحدة لدعم الديمقراطية UNDEf

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق