مقالات الرأي

الإخوان والنظام والخارج

البيان الأخير للإخوان المسلمين السوريين، ومحتواه المحدد بدعوة تركيا للدخول إلى شرقي الفرات وتشكيل منطقة آمنة، يوضح أن هذا التنظيم هو أحد أدوات تركيا في سورية، وأن قيادة ذلك البلد هي أقرب إليه من بقية السوريين. بيان الإخوان الأخير يشير إلى أنهم ليسوا ضد الأكراد فحسب، بل ضد كل السوريين أيضًا. الإخوان المسلمون تنظيم سياسي، بغض النظر عن ألاعيبه ضيقة الأفق التي ظل يلعبها طوال السنوات الثماني الأخيرة، واللعب حق سياسي، ولكن المشكلة هي أن تلك الألاعيب تضمنت رؤية محدودة لمجمل ما حدث في سورية، وكذلك لمستقبل سورية؛ فدعوة تركيا إلى إحلال الأمن وإعادة السوريين من المخيمات، واضحة في دلالتها السياسية، فأي رؤية سياسية وطنية تتضمنها هذه الدعوة؟ ألا تنبني هذه الرؤية على استجلاب دولة، هي موجودة أصلًا، لتحتل أجزاء جديدة من سورية، وهي أصلًا، تحتلّ أجزاء واسعة من سورية، قبل اتفاق أضنة 1998، حيث تخلى النظام فيه تخليًا كاملًا عن لواء إسكندرون! ألم يكن أجدى للإخوان، وقد تعقدَ الوضع في شرقي سورية، وهناك حساسيات كبرى بين قوميات تلك المنطقة، الدعوة إلى حل سياسي لمجمل الوضع السوري، وأن تضغط تركيا من أجل ذلك، وليس للحلول مكان أميركا ومنع النظام من التقدم، ومعاداة الأكراد. إن دعوة تركيا تُعرّي الإخوان من أي بعد وطني، كما كل قوة سياسية، دعت دولة عظمى أو إقليمية لمساندتها ضد جهة سورية أخرى.

لن ندخل في تعداد ألاعيب الإخوان طوال السنوات الثماني السابقة، وهي تشمل السياسة والمال والسلاح والإغاثة والتبعية للخارج ومحاولة تسنين الثورة؛ يعنينا فقط، رؤيتها للوضع السوري ومستقبل سورية. هناك تيارٌ فكري إسلامي وغير إسلامي يؤكد ضرورة القطيعة الكاملة مع الرؤية السابقة للإخوان، والمتعلقة برؤية المجتمع طوائف وأديان، وأن المرجعية هي النص الديني، وضرورة تغيير كل ذلك، لرؤية المجتمع كشعب وقوميات، وأن المرجعية للدستور وللقوانين هي مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان. هذا التيار يؤكد أن لا مستقبل للإسلاميين، ما لم يفرقوا بين الدعوي والسياسي؛ فالأول يتحرك ضمن مفاهيم الإيمان والعقائد ويصونها، وهذا أمرٌ مختلف بحسب الجماعات الدينية والمذهبية، ولكل منها الحق في تلك الممارسات، بينما السياسي يجب أن يُدير الظهر كليةً للدعوي، وأن ينطلق من مفاهيم السياسة الحديثة، والأغلبية المواطنية، وليس الأغلبية الدينية أو الأقليات الدينية، وهي مفاهيم تتناسب مع العصور ما قبل الحديثة، وأن حكاية الانتخابات السمجة، وأن نتائجها يجب أن تُحترم وهي من تحدد شكل النظام السياسي، أصبحت فكرة مبتذلة؛ حيث إن تأسيس دولة حديثة يقتضي الانطلاق من الأكثرية المواطنية، والفصل بين الدعوي والسياسي نهائيًا. التيار هذا لا يعادي الدين ولا ينطلق منه كذلك، ويرفض تلاعب تنظيمات الإخوان بمفهومي الدولة المدينة والدولة العلمانية، فهي تلك وتلك هذه، والاثنتان ليستا ضد الدين، ولا معه أيضًا، ولكنهما تؤكدان حرية الإيمان بعيدًا من السياسة والتشريع. هما تنطلقان من أن الشعب هو مصدر كل السلطات، وأن الأديان والمذاهب شأن الجماعات من الناحية الإيمانية، ويجب إنهاء كل علاقة بين الدعوي والسياسي، في ما يخص شكل النظام السياسي والديمقراطية والمواطنية والانتخابات، وبالتالي تنزيه الدين عن “أوساخ” السياسة وصراعاتها.

في سورية، شعب مؤلف من قوميات متعددة، أمّا الأديان والطوائف والمذاهب، وكل المجال الروحي لها وللأفراد أيضًا، فيُفترض إبعادها عن التعريف السياسي للشعب، وتأسيس الأحزاب والدولة المستقبلية وفق ذلك. دعوة الإخوان للأتراك، كما دعوة النظام لكل من إيران وروسيا، ودعوة جماعة “حزب الاتحاد الديمقراطي” لأميركا وفرنسا، وغيرهم وغيرهم، كيف يمكن قراءتها وطنيًا! ألا يدل ذلك على أن المشكلة القديمة في الوطنية السورية لم تُحل بعد، أي لم تتشكل هوية وطنية للسوريين! أليست هذه الدعوات تأكيد لذلك؟ إن تعقيد الوضع السوري، والدعوات المشار إليها أعلاه، يمكن تفهمها في سياق تعقد واستنقاع التأزم، ولكن المشكلة أن ذلك بُدئ به منذ 2011، وهو ما فعلته أغلبية قوى السياسة السورية “نظام ومعارضات”، ضد أهداف الثورة السورية، مهما تعددت تلك الأهداف وتنوعت. ثم، ألم تكن حصيلة تلك الدعوات رفضًا للحل الوطني، وبمنزلة تسليم سورية إلى الدول الإقليمية، والعالمية، وإلى الصراع الطائفي أيضًا؟!

إن مصلحة تركيا تكمن في إخماد كل مشروع كردي في سورية، ولكن ما هي مصلحة الإخوان في ذلك؟ إن مصلحة إيران هي نفخ الروح مجددًا في جثة النظام، ولكن ما هي مصلحة الشعب “الموالي في ذلك؟! إن مصلحة روسيا هي تحويل سورية إلى ورقة سياسية في الصراع الدولي بينها وبين أميركا وأوروبا، ولكن ما هي مصلحة المواليين والمعارضين السوريين في ذلك؟! ألم يكن المستفيد الوحيد من ذلك هو النظام، ولكنه تحول كذلك إلى أداة بيد روسيا وإيران؟ هل بمقدور النظام الاستمرار في الحكم يومًا واحدًا لو انسحبت الطائرات الروسية؟! قصدت من كل ذلك أن هناك مصالح مشتركة بين السوريين، وهو ما يُفترض أن تفكر فيه الأوساط السورية كافة.

الآن، أميركا لن تنسحب من سورية، وضغطت على الإمارات لإيقاف استكمال تمثيلها الدبلوماسي وسواه، وضغطت على السيسي، كي لا يستمرئ هو ونظامه حكاية إعادة النظام السوري إلى الجامعة العربية، وهناك خلافات روسية إيرانية متصاعدة، دلّت عليها زيارة كل من بشار الأسد إلى إيران، ونتنياهو إلى روسيا، ولكن كل هذه التطورات قد تفيد بطرحِ أوراق جديدة للوضع السوري، وربما تدفع روسيا إلى تنسيق أكبر مع “إسرائيل”، وضد إيران بالتأكيد. التنسيق التركي الأميركي يقوى، على الرغم من الغضب التركي من تأجيل الانسحاب الأميركي، حيث إن الوضع التركي حساسٌ للغاية؛ فروسيا تحاول ضمّها نهائيًا إلى حلفها، وأميركا تريد استعادتها، وكذلك تحاول هي ذاتها بناء رؤية سياسية خاصة بها، فهي ضد أي مشروع للأكراد في سورية، وتناور من أجل دور أساسي للإخوان في سورية، وتحاول جاهدةً تغيير رؤية جبهة النصرة “هيئة تحرير الشام” لتصبح مقبولة دوليًا، وورقة سياسية بيدها للتفاوض الأخير. والسؤال مجددًا: أليس بيان الإخوان المسلمين الأخير، وحثّ تركيا على فرض منطقة آمنة، يُعدّ التحاقًا كليًا بمشاريع تركيا وضد الأكراد، وتخليًا عن أي حل سياسي لمجمل الوضع السوري، وهذا يفتح نقاشًا مختلفًا ليس مكانه في هذا المقال، ويتعلق بقبول الإخوان تقسيم سورية، وإلحاق أجزاء جديدة منها بتركيا. طبعًا لن نناقش فرضية أن الإخوان ينتظرون الحلّ الذي سيعقده أردوغان مع بوتين وآخرين، لاستبدال الإخوان بالنظام أو للشراكة بينهما، فهذه فرضية غبية، وليست ضمن الممكنات التي تُشكلها الدول للوضع السوري.

فشِلَ الإخوان مجددًا في أن يكونوا سياسيين ينتمون إلى العصر، والوطنية، والمواطنة، وكذلك إلى النزاهة الأخلاقية، ويطال “سمعتهم” كثيرٌ من النقد بسبب ممارساتهم الفئوية. كل هذه القضايا ستُساهم في تشكيل وعي سوري جديد، حداثي، وديمقراطي بامتياز، وهذا هو المؤمل حدوثه مستقبلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق