أدب وفنون

أريد لأمسحَ دموعها

حين خطفَها في الهواء العاصف بزئير ومطر.. كان الوقت بعد العشاء بقليل، وكانت وحدَها تسير باتّجاه بيتها. رأيتُها في عراكها البالغ تتفلت منه وهي تقاومه، وسرعان ما شدّها إلى جانب الطريق، وعلى بعد المسافة القصيرة التي تفصلني عنهما، رأيتها تتقلب في موائها الصامت تحته، وهي تضربه وتدفعه وتقاوم رغبته المجنونة بكل ما تستطيع..

كان مخفر الشرطة على بعد 800 متر من المكان، وكان الطريق خاليًا من الناس، إلا من ظلال بعيدة تنخطف على مبعدة منا كالأشباح، وإلا من بعض القطط المرتجفة والكلاب الشاردة التي لا مأوى لها..

كانت شجرة المرجان التي تسمع وترى ما ترى، تتحرّك وتنتفض من جذورها بكلّ فروعها وأغصانها، تريد أن تنقذها وتخلّصها من بين أنيابه المتشبثة وجسده المحموم.. ولا تستطيع. وكانت هي تتقلب تحت زنديه لا تملك هربًا ولا فكاكًا.

حجارة الرصيف تلتمع، وهي تكزّ على نفسها تريد لو تتحركَ، فيلجمها شيء عن الصراخ والاندفاع بقوّةٍ، لتضربه في جبينه ورأسه، عسى يرخي عن المسكينة جسده البربري المتوحش.

غلى الدم في عروقي وأحرقني.. ركضت تحت البرق وأصوات الرعد أريدها.. أريد أن أخلّصها

أن أذبَحَه أن أقتلَه، وأنقذَ الروح التي تلوّعَت وهو ينشب فيها غلّه وحقدَ يديه..

أردت لو أتوقّف عن ركضي، وأرى معركة الحرّة وهيَ تلوع وتشقى في عراكها الدّامي معه، تريد لو تموتَ مرّةً ولا تريد أن تستسلم.. تنحني.. تتملّص.. تعضّه تستميت في الدفع وتضرب الزجاج بيديها وقدميها، والعتمة تظهر بعضًا من ظلال الملامح والخوف، ودموع الرّعب في عينين تواجهان اغتصابًا مرًّا وهتكًا يغلغل في الروح. وكان -بين الفينة والأخرى- ينبعث نباح كلبٍ يذكّر بالوحشة وخلوّ الطريق من المارّة.

أردت -لو في لحظة- أن أشهد الرواية الملوّنة في قصيدةٍ لنزار، أو في فيلمٍ عن قصة ليوسف إدريس، أو عربة يسمونها الرغبة لتنيسي وليامز، بين مارلون براندو وأخت زوجته وجسدها الغضّ.. لكنني جدَدت في سرعتي نحوها، وأنا أسمَعها تندهني بآخر الروح فيها.

سننت خنجرَ حقدي كلّه.. ركضت في روحي وفي عزيمتي، وكنت في ضراوة الصراع، إما أن أموتَ وأنا أنقذها، أو أنني أموت بعدها، فهذه معركتي الآن..

شدَدْتها منه.. عاركْته بثورة الجريح والمكلوم.. عاركَني بقوّة العزيمة، كأنّ معه الجانّ وروح الشياطين. أرادَ أن يحطّم مني عزتي وعزيمتي.. أثخنته بطعنات الوجع والحاسّة وهي تضربه معي.. أثخنني بدمي ودمها وجعلَكني معَه، تحتَه، وقد زلّت قدمي وانفتَلت معه بقوة عظيمةٍ، كمن ضربَته عاصفة موجةٍ عاتيةٍ لم يتهيّأ لها، فلم يعد يدري ما حدث له وأين صار..

… أفقت من ثمالة الروح بثورتي، كمن يقوم من غيابةٍ في موته. لمحتها تركض هاربةً كحمامةٍ عالقةٍ في فخ، وابتعدت.. قام في مواجهتي يلوّح لي بموسى في يده، فأسعفني القدر بحجرٍ مدبّب كان إلى جانبي، خطفْته وصار بيدي أدافع به عن نفسي.. أراد مهاجمتي مكشّرًا حاقدًا.. لكنّه تهيّب من الحجر في يدي.. لوّح لي على بعد مترين أو ثلاثة أمتار.. وضربَ بموسه يطعن أمامي الهواء كأنما يطعنني ليرهبَني.. سدَدْت الحجرَ الذي في يدي وضربته بكلّ ما أستطيع من قوّة إلى صدره، فانفلتَ وهوى ووقعَ على الأرض.. لويت عنقَه وشكمته من جدائل ليله.. وثقل جسده العاتي إلى الشجرة.. لففت حولهَ أنشوطةً لا أدري كيف وجدتها معي.. ورحت أربطه في جذع شجرة الميس المجاورة، في أضخم فروعها.. الشجرة التي وعَت ورأت.. اهتزّت الرّوح التي فيها من غضبٍ، وراحتْ تساعدني وتتجاوب معي في تثبيته حتى لا يعرف لنفسه فكاكًا.. تركْته موثّقا.. بصقت عليه.. وسرت عنه بعزيمة من وجّه لقاطع طريقٍ لكمةً لا يقوم منها..

عدت أنفض الغبارَ والندوبَ والدموعَ عن ظلّها المحطّم الذي بقي مكسورًا على الأرض.. ضممْتها إلى صدري لتهدأ الروح بها.. مسحت عنها دموعها بأكمام قميصي.. شدَدْتها بعزمتي ولا أدري كيف ودّعتها..

حملت جثّتي المدمّاة من الأرض التي طعنني فوقَها، ومشيت بها وأنا استشعر أشباحًا تتجمّع خلفي، تفكّ وثاقَه وتلاحقني وربما تسبقني.. أسرعت بكلّ همّتي أجرجر ساقيّ الثقيلتين ويديّ اللتين تتدليان، حتى وصلت إلى ناصية على طرف الطريق، أنزلت حملي لأرتاح قليلًا وألتقط أنفاسي.. ولا أدري كيف وصلت إلى البيت بكل ما أحمل من تعبٍ وخيبةٍ بعرقي وجراحي وألمي، وما إن أفقت في الصباح حتى بدأت أستجمع ما كان لعلّني أكتب حكايةً عن مختطفةٍ في عاصفة الريح والمطر، وأنا أركض كالمجنون وراءها.. لأستعيدَها وأرجعَها معي إلى بيتي، أخفّف عنها وأعتني بها حتى تتعافى..

ومع أنني أتذكّر تمامًا جلستي معها ونحن نشرب الكابتشينو، ونتمتّع بمنظر البجع السابح في البحيرة، وهو يشكّل ما يشبه القلبَ، تقوده الملكة في ذلكَ المقهى إلى جانب الجسر في حديقة الدبلان..

حاولت أن أتذكر ما حدث! أكان حلمًا أو وهمًا أو فيلمًا أو قصةً عشتها ونجوت منها كمن ينجو من عاصفةٍ وحمّى.. وكنت كلما حاولت أن أسألَها: أتتذكّر ما حدث؟ كانت تبتسم لي وتشدّني من نفسي لأخلطَ القهوةَ بالغزل وأنسى.. ومع إصراري على أن ما حدث كان حقيقةً ولم يكنْ وهمًا.. قرّرت أن استدرجَها في اللقاء التالي لتحدّثَني بنفسها، وهي تمتدح شجاعتي ونبلي ومخاطرتي كرمى لعينيها..

نظرت إلى نفسي فرأيتني ما أزال أرتشف فنجانَ قهوتي الباردَ، وبيدي الصفحة الأخيرة من رواية المخطوفة التي أقرؤها، وأريد أن أمسحَ دموعَ تلك الصبية الملتاعة بجرحها، وأنا أرتعش وأهذي.

* اللوحة للفنان السوري عز الدين عبود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق